وهكذا طرد إبليس .. من رحمة الله ومن الجنة .. ومن أي مكان فيه قرب من الله .. وأصبح مذموما ملعونا. ليس هو فقط .. ولكن هو وكل من تبعه من الجن والانس .. مصيرهم جميعا هو الخلود في النار .. فالله عز وجل أعد لكل عبد من عباده .. من الإنس والجن .. مكانا في الجنة ومكانا في النار .. حتى إذا عصى الخلق جميعا وسعتهم النار .. وإن أطاع الخلق جميعا وسعتهم الجنة .. ويوم القيامة فإن أصحاب الجنة يرثون ـ فوق ما أعده الله لهم من الجنة ـ الأماكن المخصصة .. لمن قضى الله سبحانه وتعالى عليه بالعذاب في جهنم يوم القيامة والعياذ بالله بعد ذلك.
لقد أراد الله سبحانه وتعالى بعد أن أنظر الى إبليس الى يم القيامة أن يحصن آدم ويعرفه التجربة التي هو مقدم عليها .. ويبين له كيف أن الشيطان عدو له .. وكيف أنه سيغريه على المعصية .. وكيف أنه سيعده كذبا .. ولن يحقق وعده .. وأراد الحق تبارك وتعالى .. أن يتم ذلك تجربة يمر بها آدم وحواء .. حتى إذا نزلا الى الأرض .. كانت هذه التجربة وقاية لهما من إغواء الشيطان .. فقال الحق سبحانه وتعالى:
{ويا آدم اسكن أنت وزوجك فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} الأعراف 19.
وهكذا أعدّ الله تبارك وتعالى .. مكان التجربة لآدم وحواء .. في جنة فيها كل أسباب الحياة .. بلا تعب ولا جهد .. وفر لهما الطعام من ثمار مختلفة .. ووفر لهما الشراب .. وفتح لهما من النعيم كل ما يشتهيانه .. وأباح لهما كل ثمر الجنة. ما عدا شجرة واحدة .. طلب منهما ألا يقتربا منها.
إنها حياة مريحة مليئة بالنعم المباح فيها كثير، والممنوع منها أقل القليل .. شجرة واحدة هي الممنوعة .. وحذرهما الله سبحانه وتعالى .. من أن الشيطان عدو لهما .. وطلب منهما ألا يستمعا الى ما يقوله لهما .. لأنه يريد بهما السوء .. ولا يريد لهما الخير .. فما الذي حدث؟ إنه رغم كل هذا التحذير .. ورغم أن المباح كثير والممنوع هو شجرة واحدة .. فإن الشيطان استطاع بإغوائه أن يوقع آدم وحواء في المعصية.
بعض المفسرين يقولون: إن حواء هي التي وقعت في المعصية أولا .. ثم أوقعت آدم .. وأنها هي السبب في خروج آدم من الجنة .. فهل هذا صحيح؟ وهل حواء هي التي تحمل المعصية الأولى في خروج آدم من الجنة .. أم أن هذا غير صحيح .. وما هي الحقيقة؟ وماذا حدث؟
وقبل أن نجيب على هذه الأسئلة .. نجمل ما قلناه في هذا الفصل من أن الكبر قد ملأ إبليس .. فجعله يغتر بنفسه .. ويرد الأمر على الله سبحانه وتعالى .. ويقول خلقتني من نار وخلقته من طين .. يريد أن يبدل أمر الله .. فلعنه الله وطرده من رحمته .. وجعله من أهل النار هو وكل من اتبعه .. ولكن إبليس اتخذ مدخلا ليغوي آدم وذريته .. وهذا المدخل هو أن الله تبارك وتعالى عزيز غني عن خلقه جميعا: لا يضره من ضل .. ولا ينفعه من آمن.