الفاخرة كل عجيب، ومن الأعمال الباهرة كل غريب، ليس في معمور الأرض مثلها؛ ولا في أقصى الدنيا كشكلها، يحمل منها إلى سائر الأقاليم في الزمن الحادث والقديم، وهي مزدحم الرجال ومحط الرحال ومقصد التجار من سائر القفار والبحار، والنيل يدخل إليها من كل جانب، من تحت أقبية إلى معمورها، ويدور بها وينقسم في دورها بصنعة عجيبة وحكمة غريبة، يتصل بعضها ببعض أحسن اتصال لأن عمارتها تشبه رقعة الشطرنج في المثال.
وإحدى عجائب الدنيا فيها وهي المنارة التي لم ير مثلها في الجهات والأقطار، وبين المنارة [1] والنيل ميل واحد وارتفاعه مائة ذراع بالشاشي لا بالساعدي، جملته مائتا قامة إلى القبة. ويقال إنه كان في أعلاها مرآة ترى فيها المراكب من مسيرة شهرة، وكان بالمرآة أعمال وحركات لحرق المراكب في البحر، إذا كان عدوًا، بقوة شعاعها. فأرسل صاحب الروم يخدع صاحب مصر ويقول: إن الإسكندر قد كنز بأعلى المنارة كنزًا عظيمًا من الجواهر واليواقيت واللعب والأحجار التي لا قيمة لها خوفًا عليها، فإن صدقت فبادر إلى استخراجه، وإن شككت فأنا أرسل لك مركبًا موسوقًا من ذهب وفضة وقماش وأمتعة، ولا يقوم، ومكني من استخراجه ولك من الكنز ما تشاء. فانخدع لذلك وظنه حقًا فهدم القبة فلم يجد شيئًا مما ذكر، وفسد طلسم المرآة؛ ونقل أن هذه المنارة كانت وسط المدينة؛ وأن المدينة كانت سبع قصبات متوالية وإنما أكلها البحر ولم يبق منها إلا قصبة واحدة وهي المدينة الآن، وصارت المنارة في البحر لغلبة الماء على قصبة المنارة. ويقال إن مساجدها حصرت في وقت من الأوقات فكانت عشرين ألف مسجد.
وذكر الطبري [2] في تاريخه أن عمرو بن العاص [3] رضي الله عنه لما افتتحها
(1) شيد البطالمة منارة الإسكندرية، والتي اعتبرت من عجائب الدنيا السبع، وذلك لإرتفاعها الهائل حوالي 35 مترًا. ظلت هذه المنارة قائمة حتى دمرها زلزال شديد سنة 1307م.
(2) الطبري: هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ/ 922 م) . مؤرخ وفقيه طبرستاني. ولد في آمل من بلاد طبرستان ودرس في الري وبغداد والبصرة والكوفة وزار مصر وسورية. كان الطبري في أول الأمر شافعيا ثم خرج بمذهب جديد هو الجريرية فعاداه بسببه الحنابلة. ويشتهر الطبري بمؤلفه (تاريخ الأمم والملوك) ، أو (أخبار الرسل والملوك) الذي ضمنه تاريخ العالم منذ بدء الخليقة حتى عصره، والذي نقل عنه ابن الأثير واليعقوبي. ويعتمد الكتاب على مصادر غير موثوق بها وهو في أربعة أجزاء تنتهي في عام 915م. وقد ذيل عليه مؤرخون عديدون. ومن كتبه الأخرى (تاريخ الرجال) ، وتفسيره المعروف باسم (جامع البيان في تفسير القرآن)
(3) عمرو بن العاص رضي الله عنه (50 ق هـ ــ 43 هـ) هو عمرو بن العاص بن وائل، أبو عبد الله، السهمي القرشي، فاتح مصر، وأحد عظماء العرب وقادة الإسلام وذكر الزبير بن بكار والواقدي بسين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشي وهو بأرض الحبشة. وولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - إمرة جيش"ذات السلال"وأمده بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثم استعمله على عمان. ثم كان من أمراء الجيوش في الجهاد بالشام في زمن عمر وولاه عمر فلسطين ومصر. وله في كتب الحديث 39 حديثًا. [الإصابة 3/ 2، والاستيعاب 3/ 1184، والأعلام 5/ 248] .