وإذن فنحن لا نستطيع أن نكبر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه و سلم - من الأوس
والخزرج عن أن يطيعوا فريقا من اليهود حتى كادوا يردوهم بعد إيمانهم كافرين، ولا أن ننزههم عن ذلك، وهم تتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله، كما أراد الدكتور طه أن ينزه أهل الصدر الأول من الإسلام سنة (35 هـ) بعد أن قبض الله إليه نبيه بأكثر من عشرين سنة، وبعد أن نشأت ناشئة من الشباب لا يدعي أحد أنهم جميعا كانوا أحرص على إيمانهم، ثم ينهي الأديب الراحل محمود شاكر بحثه بقوله: (أيجوز في العقول أن تظل اليهود وأشياعها من المنافقين تكيد للإسلام ولرسول الله، وللمؤمنين والمؤمنات، عشر سنوات كاملة متتابعة يوما بعد يوم، فإذا لحق رسول الله بالرفيق الأعلى في سنة 11 من الهجرة نزعوا أيديهم من كل كيد، وبرئوا من حدث كان بعد ذلك في تاريخ الإسلام، برئوا من الردة عام 11 من الهجرة وبرئوا من مقتل عمر في سنة 35 من الهجرة) (81) .
من كل ما سلف يتبين لنا أن هدف طه حسين من إنكاره لعبد الله بن سبأ هو: أن ينفي عن اليهود الشركة في دم عثمان، كما حاول أن يعيد أمر الفتنة كله إلى العصبية فقط (82) ونحن لا ننكر أن للعصبية دورها في إيجاد التناقضات داخل حدود الدولة الإسلامية، وقد نتج عنها خلافات جزئية، كان من الممكن تلاشيها، ومن الممكن كذلك استمرار الحياة بها، دون أن تعكر ساحة الدولة بالفتن، لولا الأصابع الخفية التي أخذت تعمل عملها لتجميع هذه التناقضات، لتوجد تيارا واحدا هب على ساحة الدولة السلامية فغمرها بالفتن، وعلى العموم فقد أشار الأستاذ الكبير محمود شاكر فيما سبق إلى تهافت الكتاب علميا، والى وضوح الأهواء والرغبات في نفس مؤلفه، وينتهي إلى إثبات شخصية ابن سبأ، وما أثاره من أحداث، وأن طه حسين حينما بنفي خبره إنما يشتط ويركب مركبا لا يليق بمثله.
رابعا: شبهات الدكتور عبد العزيز الهلابي: