فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 201

وقد استمر الصراع الفكري البحت ثلاثة عشر عامًا متتالية على أشدّ ما يكون من العنف والقسوة، إلى أن انتصرت أفكار الإسلام على أفكار الكفر، وأظهر الله الإسلام. فقامت في المدينة الدولة التي تحمي ذِمارَ المسلمين وبيضةَ الإسلام، وتنشر الهدى بين الناس عن طريق الجهاد فبدأت الحروب بين الإسلام والكفر، وبين جيوش المسلمين وجيوش الكفار في معارك متلاحقة، وفي منتهى الغلظة والشدة. فكان النصر في هذه الحروب كلها للمسلمين. والمسلمون وإن هُزموا في بعض المعارك ولكنهم كانوا يكسبون الحرب، وما خسروا حربًا من الحروب مدة ستة قرون، بل ظلوا منتصرين في جميع الحروب ستة قرون متوالية، وظلت الدولة الإسلامية هي الدولة الأولى في العالم طوال هذه المدة. ولم يقع هذا في تاريخ الجنس البشري مع غير المسلمين أبدًا، ولا حدث مع غير الدولة الإسلامية. ولكن الكفار ولا سيما الدول الأوروبية لم يكونوا غافلين عن الإسلام للبطش به، ولا عن المسلمين لتدمير كيانهم، فكانوا كلما سَنَحت لهم فرصة شنوا هجومًا على المسلمين، أو دبّروا لهم كيدًا. وفي أواخر القرن السادس الهجري، (الحادي عشر الميلادي) وأوائل القرن السابع الهجري (الثاني عشر الميلادي) أحسّت دول أوروبا بما آل إليه نظام الحكم في الدولة الإسلامية من تفكك في الولايات عن جسم الدولة، واستقلال الولاة بأهم شؤون الحكم الداخلي من جيش ومالية وسلطان وغير ذلك، حتى كانت أشبه بالاتحاد بين دول منه بالوحدة للدولة الواحدة. ولم يبق للخليفة في بعض الولايات سوى الدعاء له على المنابر، وسكّ النقود باسمه، ومبلغ من المال يرسل من الخراج. أحسّت بذلك دول أوروبا فجردت الحملات الصليبية على المسلمين، وكانت الحرب الصليبية التي استمرت مدة قرن تقريبًا. وفي هذه الحرب هُزم المسلمون، واستولى الكفار على بلاد الشام كلها: فلسطين، ولبنان، وسورية، ومكثوا فيها عشرات السنين، حتى إنهم احتفظوا ببعض البلدان كطرابلس الشام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت