وقد تفشت هذه العنصرية بين العرب والترك في الجيش بشكل بارز، وكان الضباط الأتراك المنتسبين إلى جمعية الاتحاد والترقي يبرزونها في معاملاتهم، وفي الترقيات، وفي تولي مناصب الجيش العليا. وقد تذمر الضباط العرب، ولكنهم لم يخطر ببالهم أدنى شك في وجوب الولاء للدولة. إذ لم تكن المسألة مسألة اتحاد بين العرب والترك، بل كانت مسألة أمة إسلامية واحدة، وخليفة في استانبول أوجب الله طاعته وحرم معصيته، وجعلها كمعصية الله، والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه. ولهذا تأثر بعض زعماء الضباط العرب بهذا الوضع فدعوا في أواخر سنة 1909 أصحاب الرأي من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي إلى اجتماع، فلبوا الدعوة واجتمعوا معًا اجتماعًا طويلًا في استانبول، وبحثوا في التدابير التي يجب اتخاذها لحسم هذا الخلاف بين العرب والترك حسمًا نهائيًا. وكاد هذا الاجتماع يسفر عن رجوع الوحدة، وترك العنصرية، والانضواء تحت العقيدة الإسلامية وحدها. ولكن بعض الشباب الأتراك الذين كانت القومية التركية قد غلبت على العقيدة الإسلامية عندهم مثل «أحمد آغابيك» و «يوسف أقشورة بك» وغيرهما عز عليهم ترك قوميتهم وإفراد الإسلام وحده بالولاء، فتدخلوا في الأمر، وتفوَّهوا بكلمات قاسية ضد العرب، وتمجيد الترك، مما جعل الاجتماع ينفضّ على أسوأ مما كان عليه قبل الاجتماع.
واستمرت الجمعية ماضية في عنصريتها. ولما استتب فيها الأمر كليًا للأتراك قاموا بتعديل برنامج الجمعية تعديلًا جعلها تركية بحتة. فكان من جراء هذا التعديل أن انفصل عنها جميع العرب، وجميع الألبانيين، وجميع الأرمن، كما انفصل عنها بعض الترك الذين كانت العقيدة الإسلامية وحدها هي الأساس عندهم لا قوميتهم.
دور السفارات الأوروبية في تأسيس
الجمعيات والأحزاب العربية: