وفي هذا الوقت أي خريف سنة 1908 عينت إنجلترا سفيرًا جديدًا لها في استانبول هو «جيرالد لوثر» . ولما وصل إلى استانبول استقبله جماعة الاتحاد والترقي استقبالًا حماسيًا حتى أخرجوا الخيول من عريش مركبته وسيروها بأنفسهم فقاموا مقام الخيول في جر عربته، مبالغة بإكرامه. وكل ذلك كان بإيعاز جمعية (الاتحاد والترقي) ومن عملها. ثم إن رجال الجمعية قد بلغت فتنتهم بالأفكار الغربية المزوَّقة حدًا لم يعوا معه مخالَفَتَها لواقع الدولة التي يحكمونها، فضلًا عن عدم إدراكهم لمناقضتها للإسلام. وقد بلغ تهورهم وقلة تَبَصُّرِهم حدًا لفت نظر الأوروبيين لجهلهم، حتى إن أحد الرجال الدبلوماسيين في ذلك الحين في استانبول قال عنهم: «كثيرًا ما يَخْطُون الخطوة الثانية قبل الأولى» . ولقد سارع رجال الاتحاد والترقي إلى تسليم زمام الأمور إلى المتضلعين في القوانين الغربية والأفكار الغربية، حتى صارت لهم اليد العليا في حزب (تركيا الفتاة) .
ثم إنهم لما أيقنوا أن من يملك الجيش ملك القوة كلها سعوا حتى أصبحت السلطات ترجع في التعيينات الجديدة إلى سياسة حزبية، فكل الضباط حزبيون أكثر منهم فنيين أو حربيين. وقد جعلوا أن كل فرد من رعايا الدولة العثمانية يُخوِّله القانون مثل الحقوق التي يتمتع بها الأتراك، وعليه ما عليهم من الواجبات.
وصارت هذه الجمعية تتحكم في الدولة كلها في حاضرها ومستقبلها؛ وبذلك وصلت الفكرة التي اتخذها الغرب أداة لضرب الدولة وهدم الخلافة، إلى الحكم متمثلة في جماعة الحزب الحاكم وأنصاره الذي لا يرى أن الإسلام وحده صالح لهذا العصر، بل يرى أن الصلاح كله في الأفكار الغربية والحضارة الغربية، ويرى المحافظة على القومية التركية من أهم أعماله، حتى جعل الولاء لها فوق كل ولاء. وصار يفتخر بالوطنية ويعنيها؛ فقد كان يرى تفضيل تركيا على باقي البلاد الإسلامية، وتفضيل التركي على سائر المسلمين.