فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 51

أضغطُ على زرِّ إدخال التعليمات. تخزين واسترجاع البرامج. الصور تأتي تباعًا والأرقام تختفي من الشَّاشة الزجاجية للحاسب الآلي. جبل (صَبِرْ) يدخل من النّافذة معتليًا جياد الضباب. طفل الشمس ينزل خائفًا إلى قلب المدينة. طائرُ الزِّمبت يتلون محاكيًا قوس قزح. الكلب الأسود أقعى تحت شجرة الكافور يرنو إلى زوبعة ترابية تدفن مواطئ أقدام الراعية وأغنامها ويتشمم رائحة الشِّياه الصغيرة التي تجفل من نباحه الحزين.

تعود الأرقام من جديد إلى شاشة الحاسوب، تناطح بعضها البعض. تنقلب الصور في كوة العين رأسًا على عقب. الأفق في أخمص القدم وقشرة الأرض فوق الرأس. حجر النار. شعر الظلمة. نملة الدوخة. يصير الفضاء تفاحة فاسدة.

عندما كنت أحبو ربطت جدتي حرزًا على ساعدي ليمتص إبر العيون. في المِعْلاَمةِ ضربني المعلم لأني لم أحفظ سورة"ياسين"وهتف التلاميذ.."لاُتَروِّحْ عند أمك تشتكي ولاتقول يابا، ضربني الفقيه.". ذات يوم دفعني الفضول لمعرفة مابداخل الحرز. فتحتهُ وقرأت: -"ياكَرَار كُرِّيِّه وياهَمْرة اهمريهِ. إن عشق سريه وإن كره ضريه."

إنهُ الخميس. العقارب تتلاحق في ميناء الساعة، الصغير ينتظر كمومس على ناصية الثانية عشرة والكبير يهرولُ بعده، يمتطي ظهره فيدق جرس الهياج. أدفن رأسي بين يدي، وأحِّركُ الكرسي الدوَّار. أدخن. الدُخَّان يرقص على الحان"الروك"المنبعثة من استريو (النغم الغربي) الواقع في (شارع 26 سبتمبر) . أبحث عن تقرير شركة"وانج". أهش زنابير النعاس. طرقات همجية تهجم كالزنابير على باب مكتبي الذي انفتح قبل فمي مطلقًا صريرًا يتغلغل في العظام. يضطرب هواء الغرفة وينزع مصراع النافذة. يهرب الهواء إلى الخارج. ضابط التوعية السياسية يذكرني بحلول موعد انعقاد المحاضرة.."العدالة الإجتماعية في الميثاق الوطني.". يغلق الباب بقوة ويعود الهواء يبعثر أوراقي في كل الأنحاء.. البطاقة الذكية، ترديد الكلمات، لغة الآلة، التقرير. كل الأوراق طارت من فوق مكتبي، عدا ورقة التعليمات الميسرة عن تخزين واسترجاع البرامج استسلمت طائعة في قبضتي، كرمشتها ثم مزقتها بأسناني ورميتها إلى سلة المهملات.

عاد صوت ضابط التوعية ينادي من جديد:

-"ميثاق يامدير."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت