بين العقل والجنون شعرة، لم أقطعها إلى الآن حتى لا تتهموني بالجنون كما اتهتم صاحبي العريان الذي نال حق الإنتماء البارحة إلى قبيلة المجانين الديمقراطية الشعبية. قال إنهُ رأى فيما يرى النائم إنهُ استقل عربة مُجَنَّحة تجرها ملايين الضفادع وفي كل مكان يمرُ به، كانت الجماهير الغفيرة تستقبلهُ بالهتاف وتمطرهُ بوابل من الرصاص الذي لايخترق الجسد فحسب، بل يمزقهُ إلى أشلاء تتحول بقدرة قادر إلى ديدان تأكل نفسها. ويقول إن الدودة الوحيدة التي نفدت بجلدها كانت هو نفسه، ولمَّا استوى على رأس الإبرة الموشاة بديباج أحمر، استرخى مهمومًا بقضم أظفارهُ حتى أحسَّ بآلامٍ فظيعة في أصابعه المزدانة بالخواتم الغالية. فجأة أخذ الفضاء يتوعك فسدَّ أذنيه كي لايسمع دوي الرعود التي تزفر بالحيَّات والعقاب والنمل الأبيض. وها هو بجانبي يبكي ويضحك في وقت واحد. دهنَ وجههُ.بشحم السيارات وكحل عينيه بالقار، وأنا أتطلع بنشوةٍ إلى نوافذ المفرج العالي. مفرجي يسبح في باب السَّبح، بين عطبِ الغمام المندوف كطائر يحترق من شدَّة الوُجد. من جبل"نقُم"نزلت خالتي الغمامة تسير الهوينى كرغوة حليب الجن، تزف عرائسها القابضات بمجامر بخور اللبان وشبَّ الفؤاد.
يالجمال العرائس
يلبسن دروعًا من نوار الفُلِّ
قوافلهن الدخانية تتوغل بين بيوت صنعاء العالية
أصابعهن النديات تتحسس طين الجدران وتخاريش الجص وقضاضُ القبابِ والمآذن
تتغامرُ عيونهن ضاحكات على أسرار ناس الفراش.
الستائر اللَّبنية ترتعشُ وراء زجاج الشبابيك. ياربي!!،
كم هي بردانه هذه الستائر!. دافئة هي الفراخ الزغب تحت أجنحة أمها الحمامة.
-ياحمامة. أين ذهبت الشمس؟!
-ذهبت إلى"دَمْتْ"لتغطس غطستين في المياه الكبريتية.
البردُ دقدق عجرها والمفاصل.
الوجهُ الذي يشبهُ لبن البلس البري غاب. غاب وجهُ حبيبتي بعد أن سكن مقصورة قلبي. كان يطلُّ عليَّ من وراء غبشةِ زجاج النافذة الوسطى للمفرج العالي. هل دخل حوصلة غراب البين؟! قلْ ياب"السَّبَح"، ِلمَ طال حبل الغياب وطوّل؟! بدأت لبلابة اليأس تتسلق صدري. القُلَيْبُ مكروب. أضربُ حربائي بعيدان الصبر. تتكسرُ عيداني.