وقد يرد على الحديثين اعتراض بأن المراد به الحالة الأولى حيث يكون الغضب في مبادئه فأقول قد ورد الحديث بذكر الغضب مطلقًا عامًا إذ إنه لم يستفصل وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ، فتدخل الحالات الثلاث فيه ويكون كل من طلق في غضب ألزم بطلاقه ، وخص الإجماع الحالة الثانية حين يبلغ الغضب أشده فتخرج ، وتبقى الحالتان الأخريات مرادتين بهذا الحديث .
3-... ما روي عن مجاهد عن ابن عباس أن رجلا قال له إني طلقت امرأتي ثلاثًا وأنا غضبان فقال ابن عباس لا أستطيع أن أحل لك ما حرم الله عليك عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك ( ) .
4-... قول الحسن: ( طلاق السنة يطلقها واحدة طاهرًا من غير جماع وهو بالخيار ما بينه وبين أن تحيض ثلاث حيض ، فإن بدا له يراجعها كان أملك بذلك ، فإن كان غضبان ففي ثلاث حيض أو ثلاثة أشهرٍ إن كانت لا تحيض ، ما يذهب غضبه ) ( ) .
5-... أن القاعدة الفقهية تقول: ( دلالة الأحوال تختلف بها دلالة الأقوال في قبول دعوى ما يوافقها ورد ما يخالفها وتترتب عليها الأحكام بمجردها ) ( ) .
قال ابن رجب في قواعده: ( يتخرج على القاعدة مسائل منها: كنايات الطلاق في حالة الغضب والخصومة لا تقبل دعوى إرادة غير الطلاق بها ) اهـ .
وفيما ذكره خلاف ذكره صاحب المغني ( 10/360 ) وهذا في كنايات الطلاق ففي صريحه أولى وأحرى ، قال في المغني: ( والغضب هاهنا يدل على قصد الطلاق فيقوم مقامه ) اهـ .
الترجيح:
يتبين مما مضى أن الراجح هو ما ذهب إليه المالكية والحنابلة ومن وافقهم من إيقاع الطلاق على الغضبان على التفصيل المذكور وذلك لأمور:
1-... قوة أدلتهم .
2-... صراحتها وقوة صلتها بالمسألة .
3-... ضعف أدلة المخالفين لما ورد عليها من المناقشة .
4-... أن القاعدة الشرعية أن الأصل في الأبضاع التحريم فالواجب التثبيت في أمرها والتنبّه لها ( ) .