لأن السعادة شيء ينبع من داخل الإنسان يشعر به بين جوانبه فهو أمر معنوي لا يُقاس بالكم ، ولا يشترى بالدينار والريال ، بل هي صفاء نفس وطمأنينة قلب وراحة ضمير وانشراح صدر .
ويذكر أن زوجًا قال لزوجته بغضب: لأشقينَّك . فقالت الزوجة في هدوء: لا تستطيع أن تشقيني كما لا تستطيع أن تسعدني .
فقال الزوج في حنق: وكيف لا أستطيع ؟
فقالت الزوجة في ثقة: لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني أو زينة من الحلي لحرمتني منها ، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون !
فقال الزوج في دهشة: وما هو ؟ فقالت الزوجة في يقين: إني أجد سعادتي في إيماني ، وإيماني في قلبي ، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي .
ومثل ذلك ما دوى به البحر الخضم والجبل الأشم علم الأعلام وشامخ الشام وشيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه ونوّر ضريحه لما سجن ظلمًا وعدوانًا في سجن القلعة قال رحمه الله: ما يفعل أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري حيثما ذهبت فهي معي .
ويقول أحد السلف واصفًا حاله وهو في غمرة السعادة الحقيقية: إنه لتمر عليّ ساعات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي عيش رغيد .
قال ابن القيم رحمه الله ( كما في مدارج السالكين ) : في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله ، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله ، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته ، وصدق معاملته ، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه ، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه ، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته وإلإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له ، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا ) .
إذا أيها الأحبة السعادة لا يمكن أن تحصل إلا بالإيمان واليقين في المقام الأول .