الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون، وعلى السائرين على دَرْبهم إلى يوم يبعثون.
أما بعد:
فإن من أعظم ما تُقُرِّب به إلى الله تعالى الفقه في دينه، والاشتغال به: تعلُّمًا، وتعليمًا، وكتابةً، ودعوةً، ومجادلةً بالتي هي أحسن. وقد ندب الله تعالى المؤمنين إلى أن ينفر منهم (طائفة) ؛ ليتفقهوا في الدين، ويُفقِّهوا فيه غيرهم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:122] .
ولا شك أن التفقه في الدين لا يتم إلا لمن مَلَك آلته: من العقل والفهم، والإدراك القويّ، والحفظ، والتقوى.
كما أن الإنذار لا يتمّ إلا لمن كان فقيهًا، عالمًا، جريئًا، فصيحًا، صادقًا، ولهذا مدح الرسول صلى الله عليه وسلم المتفقهين في الدين، وبيَّن أن الله أراد بهم خيرًا حين ندبهم، وحرَّك هممهم صوب هذه الغاية الشريفة، فقال:"من يُردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين" (1) .
وإنما المقصود: الفقه الحقّ -على ما سنذكره إن شاء الله-، لا مجرد حفظ المتون، واستظهار الكتب.
كما بيَّن صلى الله عليه وسلم أن المعدن السليم الكريم لا يكفي للخيرية والسؤدد -في الإسلامِ- حتى ينضم إليه الفقه في الدين؛ فقال:"الناس معادن، خيارهم في الجاهلية؛ خيارهم في الإسلام إذا فَقُهُوا" (2) .
وقد ورد في فضل العلم والتعلُّم والتعليم نصوص كثيرة، ليس هذا مجال حصرها، ويمكن الرجوع إليها في مظانّها، مثل:
(1) أخرجه البخاري (71) ، ومسلم (1037) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
(2) أخرجه البخاري (3383) ، ومسلم (2378) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.