ومما ينبغي الإشادة به، والإشارة إليه: أن هذا التراث الفقهي العظيم قد تحدث في عدد ضخم جدًا من الفروع، لا يوجد له نظير في أي أمة من الأمم، أو حضارة من الحضارات؛ بل وسبق الزمن في عديد من القضايا، فوضع لها الحلول المناسبة في زمن كان الناس فيه لا يتصورون مجرد وقوعها فضلًا عن دراسة الحلول لها (1) .
ولكن كل ما سبق لا يعني قدسية هذا التراث أو عصمته المطلقة، كما لا يعني أنه كاف لسد حاجة كل عصر دون جهد يقوم به أبناء العصر أنفسهم.
بل لا يخلو هذا التراث من ثغرات وجوانب نقص، سواء من حيث الشكل، أو من حيث المضمون والمحتوى.
أ- فمن حيث الشكل، وطريقة الترتيب والتبويب:
تتداخل الموضوعات في بعض هذه الكتب تداخلًا يصعب معه العثور على المسألة المطلوبة -أحيانًا- حتى على المختصين. فقد تجد أبحاث (تصرفات المريض) في كتاب العتق - باب العتق في المرض، وقد تجد أحكام (الحضانة) في باب الخلع.. وهكذا.
ومما يضاعف الصعوبة عدم وجود الفهارس الموضوعية التي تيسر للباحث مهمته (2) .
ب- ومن حيث الأسلوب: فأسلوبها -وإن ناسب العصر الذي كتبت فيه- إلا إنه مما يعسر فهمه على المعاصرين، ومما يلحظ فيه:
-ضغط العبارة، وحصر المعنى الواسع في لفظ ضيق قليل موجز، يصل -أحيانًا- إلى التعقيد والركاكة، وهذا إنما يوجد في المتون والمختصرات التي كثرت في المتأخرين، وصارت عمدة الدارسين والمتفقهين لقصرها، وإمكانية حفظها.
(1) لا يعني هذا إقرار التوسع في الفرضيات بلا مسوغ كما سيأتي في الباب الثالث.
(2) وقد قام بعض الباحثين والمشتغلين في هذا المجال ببعض المحاولات المشكورة لتسهيل الاستفادة من هذه الكتب بفهرستها ومن ذلك:
أ- فهارس كتاب (المغني لابن قدامة) وضعها الأستاذ محمد الأشقر.
ب- معجم فقه الإمام ابن حزم الظاهري، أعده مجموعة من الباحثين في الشام.
جـ- فهرس ابن عابدين أعده الأستاذ مهدي خضر.
د- فهارس كتاب المبسوط للسرخسي للشيخ خليل الميس. وغيرها.