وقد نتج عن هذه الحال تخرج أعداد كبيرة من العلماء، يجمعون بين أنواع كثيرة من العلوم يكمل بعضها بعضًا: فهم محدثون حفاظ أثبات، ولغويون فصحاء أقحاح، وفقهاء مستنبطون، وعلماء في التفسير، وأساتذة في العقيدة.
ولم يكن الفرق عندهم قائما بين هذه العلوم، فهي كلها وسيلة للعلم بالدين، ونشره بين الناس.
وساعدهم على استيعاب هذه العلوم وهضمها؛ التفرغ الذي اضطروا أنفسهم إليه، حين عزفوا عن زخرف الحياة وملذاتها، ومراتع الصبوة والشباب، وشغلوا أنفسهم بما خلقوا له، فعاشوا في دنياهم سعداء، وماتوا ميتة الشهداء.
وقد خلفوا لمن بعدهم تراثًا عريقًا، متشعب الجوانب، لو اجتمعت جهود العلماء والباحثين، وتوفرت عليه، لكلت دون أن تبلغ منه مبلغًا، فضلًا عما ضاع عبر القرون -وهوكثير-.
وفيما يتعلق بالتراث الفقهي منه فهو على أنواع:
1-فمنه ما يكون الفقه فيه ممزوجًا بغيره من العلوم الشرعية كالحديث وغيره، ومن أمثلة ذلك ما نجده من الآراء والاستنباطات الفقهية في مثل"موطأ"الإمام مالك، أو ما نجده في تراجم الإمام البخاري في صحيحه، أو ما نجده في كثير من كتب السنة، وبالذات ما يسمى بـ"المصنفات"، كمصنف الإمام الجليل عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله ، ومصنف الإمام أبي بكر بن أبي شيبة رحمه الله وغيرها. وكان الغرض منها الجانب العملي؛ ولذلك رتبت على أبواب الفقه.
2-ومنها ما ألّف في الفقه خاصة -وإن دخل في الفقه غيره من العلوم كالحديث- تبعًا، ومن أشهر وأقدم الكتب المصنفة في ذلك: كتاب"الأم"للإمام الشافعي، وكتاب"المدونة"للإمام مالك، وغيرهما...، وهذه الكتب تشمل معظم أبواب الفقه، أوكلها.
3-وهناك كتب درست جانبًا معينًا، أو موضوعًا خاصًا، ككتاب"الأموال"للإمام الجليل أبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب"الخراج"لأبي يوسف، ولأبي يعلى، وكتاب"شرح السير"للسرخسي وغيرهما.