حكم قول العلماء بعضهم في بعض
قال ابن عبد البر رحمه الله، في جامعه:
عن عبد العزيز بن حازم قال: سمعت أبي يقول: العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله ذاكره، وإذا لقي من هو دونه لم يزه عليه، حتى كان هذا الزمان، فصار الرجل يعيب من هو فوقه، ابتغاء أن ينقطع منه حتى يُريَ الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهى على من هو دونه، فهلك الناس ...
وعن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: خذوا العلم حيث وجدتم ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة ...
قال أبو عمر: هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته بينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قال لبراءته من الغل الحسد والعداوة والمنافسة وسلامته من ذلك كله، فذلك يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر.
وأما من لم تثبت إمامته، ولا عرفت عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته، فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه، والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماما في الدين قول أحد من الطاعنين، أن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير منه في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد، ومنه ما كان على جهة التأويل مما لا يلزم المقول فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلا واجتهادا لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان وحجة توجبه، ونحن نورد في