فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 32

انطلق وانقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما تقولون، مَن أظهر خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه، ومن أظهر شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا وإنه قد أتى عليَّ حين وإنما أنا أحسب أن مَن قرأ القرآن يريد الله وما عنده، ثم خُيِّل إليَّ بآخرة أن رجالا قد قرؤوه يريدون ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم، ألا وإني -والله- ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلتهم ليعلِّموكم دينكم وسننكم، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إليَّ، فوالذي نفسي بيده إذًا لأقصنَّه؛ أي لأجرين عليه حكم القصاص، فوثب [عمرو بن العاص] فقال: يا أمير المؤمنين؛ أفرأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، أكنت مقصَّه منه، قال: إي والذي نفسي بيده لأقصنه، كيف لا أقصه وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقص من نفسه.

ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم المهالك فتضيعوهم، فإن رجلا من المسلمين أحب إليَّ من مائة ألف دينار. يا للكلام!

كلام ذوي الألباب أهوى وأشتهي *** كما يشتهي الماءَ المبردَ شاربُه

الله أكبر، إنه الحق والسكينة ينطقان على لسان عمر -رضي الله عنه وأرضاه-. هذه رسالة من عمر موزَّعة إلى ثلاثة أصناف؛ أما الأولى فمَنْ وليَ من أمر المسلمين شيئًا صَغُر أو كَبُر تُبَيِّن أن مهمتهم تعليم الدين والسنن، لا إذلال المسلمين، ومنعهم حقوقهم، وضربهم، وإنزالهم المهالك. وهي كذلك رسالة إلى حملة كتاب الله أن يريدوا الله بقراءته. فليسائل حملة كتاب الله أنفسهم ماذا زرع القرآن في قلوبهم ونفوسهم؟ وهي أول الرسالة إلى من يحكم على النيَّات بالفساد، فيظن بكلمات المسلمين شرًا وهو يجد لها في الخير محملا.

تعمى بصائرهم عن كل منحرف *** ويرصدون ذوي التقوى بمرصاد

والرسالة الأخيرة: هذه تذكر برسالة أخرى، وبصفحة أخرى مضيئة في تاريخ هذه الأمة. يوم يدخل [الربيع بن سليمان] على [الشافعي] وهو مريض يعوده، فيقول من ضمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت