فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 32

أخرج الطبراني-: لمجلس واحد من عمر أوثق عندي من عمل سنة، لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر- رضي الله عنه- بعلمهم، ولقد ذهب بتسعة أعشار العلم.

أيها الأحبة: إن هذه الصور المضيئة من تاريخنا لتذكرنا بصفحات أخرى من صفحات سلفنا الكرام في أدب الخلاف فإليكُمُوها فَعُوها واسمعوها، يتناظر ذات يوم [يونس بن عبد الأعلى] [والشافعي] -عليهما رحمة الله- فاختلفا في مسألة، وانفضت المناظرة، ولم يتفقا. يقول يونس: فوالله -الذي لا إله إلا هو- ما رأيت أعقل من الشافعي، جاءني في بيتي، وطرق بابي ودخل وسلَّم عليَّ، ثم أمسك بيدي بحنان وتحنان، وقال: يا [أبا محمد] ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟ ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟ لا ريب أن يقول ذلك الشافعي -رحمه الله- وهو القائل: ما جادلت أحدًا إلا وتمنيت أن يكون الحق بجانبه. هذا الكلام المضيء نهديه إلى الذين تضج بهم الساحة الإسلامية هذه الأيام، ممن يخيل لأحدهم أنه أعلم العلماء وأحكم الحكماء، فلا يعرف توقيرًا لكبير، ولا يجلُّ عالمًا، ولا ينظر إلى أحد أنه يستحق الاحترام إلا نفسه، فيقع في عِرْض هذا، ويُعَجِّلُ هذا، ويَجْرَح هذا.

وليس جراحهم في الجسم لكن *** جراح النفس تفتك بالرجالِ

زيادة على أنْصِبَاء العلم *** كواو عمرو أو كنون الملحق

تجد الواحد منهم يفكر بعقل غيره، ويسمع بأذن غيره، ويرى بعين غيره، ما قاله فلان هو الحق وما عداه فهو الباطل.

فلو لبس الحمارُ ثياب خَزٍ *** لقال العمى يالك من حمارِ

ونقول لهم وللكل: ألا نكون إخوة إلا إذا اتفقنا تمامًا في كل مسألة؟ منذ متى اتفق الناس؟ هاهم صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قادة الناس، ومعادن العلم، وأولى الناس بكل فضيلة، يختلفون لكن انظر إلي اختلافهم وهم الأسوة والقدوة؛ تجده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت