الصفحة 19 من 21

إنَّ أيَّة أمَّة لا تتقدَّم إلا بعلمائها وأهل الفقه والحكمة فيها، وقد كان الوزير التونسي خير الدين باشا يعقد مجالس من علماء جامع الزيتونة، ويلقي على وجه الشورى ما يهمه من المسائل العامة، فيتناوبونها بالبحث والنظر، حتى إذا نطق أحدهم برأي يصيب به المفصل من القضية اهتَزَّ ذلك الوزير ارتياحًا، وضرب يمناه على يسراه قائلًا: لا تتقدم أمة إلا بعلمائها. [1]

إنَّ تعظيم العلم وإعطاء رجالاته حقهم ومستحقهم؛ ذخر وفخر لكل من يقوم بالمسؤوليات تجاه بلده وأمَّته، وإنَّ من لا يعطي العلم قدره، ولا أهل العلم حقهم، فإنه ولو كان لديه من الإدراك لأهمية ذلك ما له، إلاَّ أنَّ ذلك لا يدل إلا على جهل مدقع وخراب في الفكر بلقع، وقد صدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال:

الناس من جهة التمثال أكفاء *** أبوهمُ أدم والأم حواء

فإن يكن لهم في أصلهم نسب *** يفاخرون به فالطين والماء

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ *** على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه *** والجاهلون لأهل العلم أعداء

وإنني من هذا المنطلق أنادي أصحاب المسؤوليات، وعلى رأسهم أهل الحل والعقد من رجالات الإسلام الصادقين؛ بأن يعطوا لنصيب العلم الشرعي عطاءً واسعًا، وأن يسهموا في نشره بكامل الحرية، وأن يتيحوا جميع الفرص لنيله وطلبه وتعلمه؛ فإنَّ العلم لا يهلك حتى يكون سرًا كما نقل البخاري في صحيحه عن عمر بن عبد العزيز، وإنَّ حاجة الأمة المسلمة للعلم الشرعي أشد من حاجتها للطعام والشراب؛ إذ العلم الشرعي هو المحرك الأساس لكل رأي وفكرة وحركة أما الطعام والشراب فلو اكتفي به في اليوم مرة فلا يضير، لكن إن غفل المرء عن العلم في موقف من المواقف اليومية فإنّهَ يصاب بالخلل الشرعي، فما بالنا ونحن نرزح تحت نير الاحتلال الذي ينفث سمومه والشبهات والشهوات فإنَّ الحاجة تزداد أكثر فأكثر لنشر العلم والمساهمة في ذلك والمساعدة في بثه.

(1) محاضرات إسلامية للشيخ محمد الخضر حسين، ص94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت