وهذان الفرقان بين الضرورة وبين الحاجة ثابتان في الضرورة بالمعنى الأصولي (الضروري) ومتعلقها مستمر، أي أن الحكم الملحق من أجلها على خلاف القياس مستمر بناء على دليل الاستحسان أو المصلحة المرسلة وفي الضرورة بالمعنى الفقهي ومتعلقها مؤقت من باب الرخصة بالمعنى الأخص وهي تغيير حكم لعذر مع علة الحكم الأصلي.
وفي الحاجة بمعنى الحاجي وهو المعنى الأصولي ومتعلقها مستمر أي أن الحكم ثابت بها مستمر سواء كان منصوصًا معللًا بها كالسلم والإجارة …إلى آخره، أو منسوبًا إليها استحسانًا كالاستصناع للحاجة والتعامل أو استصلاحًا كجواز تلاوة الحائض عند مالك.
والحاجة بمعنى الحاجي يشترط فيها أن تكون عامة وأما الحاجة الفقهية وهي كالضرورة الفقهية لأنها ملحقة بها وتوسيع لمعناها وهذه ترفع الحرج مؤقتًا بخلاف الضرورة بمعناها الفقهي فإنها تبيح مع قياس النص المانع صريحًا فيما توجد فيه فترفعه مؤقتًا وتشاركها الحاجة الفقهية في التوقيت لكنها تختلف معها في مرتبة دليل الحكم الذي ترفقه فالأولى ترفع حكمًا دليله قطعي كالنص بدليله الظاهر والاقتضاء والإشارة والمفهوم والقياس.
أما الثانية فإنها ترفع حكمًا دليله ظني كحال العام وبخاصة العام الضعيف في نوادر الصور كما أسلفنا وهذا الاختلاف في طبيعة الدليل الذي تواجهه كل منهما ناشئ عن اختلاف المشقتين فالمشقّة في محل الضرورة هي مشقّة كبرى بينما المشقّة في محل الحاجة هي مشقّة وسطى.
أما الضرورة بمعنى الضروري عند الأصوليين فإنها تكون تأصيلًا لأحكام منصوصة من الشارع أو مجتهد فيها عن طريق المصلحة المرسلة.