وبعد التعريف بالضرورة لغة وبالضرورة في اصطلاح الفقهاء والأصوليين نلاحظ أن الضرورة أمر يورث ضيقًا ومشقة إلاّ أن هذا الضيق يتفاوت في شدته فالضرورة من باب الكلي المشكك عند المناطقة وهو كما قال الأخضري في شرحه لنظمه (السلم) في المنطق:"وإن اختلف فيها بالشدة والضعف سمي كليًا مشككًا كالبياض فإنَّ معناه في الورق أقوى من معناه في القميص مثلًا. وهذا بخلاف المتواطيء وهو الذي اتحد معناه في أفراده كالإنسان". (يُراجع شرح السلم عند قوله) :
ونِسْبَةُ الأَلْفَاظِ للمَعَانِي *** خَمْسَةُ أَقْسَامِ بِلا نُقْصَانِ
تَوَاطُؤ تَشَاكُكُ تَخَالُفُ *** والاشْتِراكُ عَكْسُه التَرَادُفُ
وأرى أن التنبيه على الضرورة والمشقة والحاجة ثلاثتهن من باب الكلي المشكك قد يكون مفتاحًا لفهم اختلاف عبارات اللغويين والفقهاء فالضرورة يمكن أن تُطلق في حال الشدة القصوى كما يمكن أن تُطلق في حالات دون ذلك وبالتالي تترتب أحكام مختلفة على ذلك كما رأيت.
أصل مشروعية حكم الضرورة:
في قول الله تعالى:"وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ"] الأنعام:119[
قال الجصاص: ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات وأطلق الإباحة في بعضها لوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة وهو قوله تعالى:"وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ"فاقتضى ذلك وجود الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وُجدت فيها. (أحكام القرآن للجصاص: 1/147) .
وقال تعالى:"فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ? إِثْمَ عَلَيْهِ"] البقرة:173[ قال ابن عطية:"ومعنى اضطر عدم"وغرث، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء والفقهاء.
وقيل: معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرمات. (المحرر الوجيز لابن عطية: 2/71) .
والنصوص كثيرة بهذا المعنى.