فإن أضاف المريد إلى العزلة الصمت والجوع والسهر فقد كملت ولايته وظهرت عنايته وأشرقت عليه الأنوار وأنمحت من مرآة قلبه صور الأغيار وقد أشار الشيخ إلى بعض ذلك متعجبا من ضده فقال كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته يشرق بضم الياء أي يستنير ويضيء وصور الأكوان أشخاصها وتماثيلها الحسية والمعنوية والأكوان أنواع المخلوقات دقت أو حلت ومنطبعة أي ثابتة وأنطبع الشيء في الشيء ظهر أثره فيه والمرآة بكسر الميم آلة صقيلة ينطبع فيها ما يقابلها فكلما قوى صقلها قوى ظهور ما يقابلها فيها وأستعيرت هنا للبصيرة التي هي عين القلب التي تتجلى فيها الأشياء حسنها وقبيحها قلت جعل الله قلب الإنسان كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها كا ما يقابلها وليس لها إلا وجهة واحدة فإذا أراد الله عنايته عبد شغل فكرته بأنوار ملكوته وأسرار جبروته ولم يعلق قلبه بمحبة شيء من الأكوان الظلمانية والخيالات الوهمية فأنطبعت في مرآة قلبه أنوار الإيمان والإحسان وأشرقت فيها أقمار التوحيد وشموس العرفان وإلى ذلك أشار الششتري في بعض أزجاله بقوله، أغمض الطرف ترى، وتلوح أخبارك، وأفن عن ذي الورى، تبدو لك أسرارك، وبصقل المري، به يزول إنكارك، ثم قال، الفلك فيك يدور، ويضيء ويلمع، والشموس والبدور، فيك تغيب وتطلع، أي وبصقل مرآة قلبك يزول إنكارك للحق فتعرفه في كل شيء فيصير قلبك قطب فلك الأنوار فيه تبدو أقمار التوحيد وشموس العرفان، وإذا أراد الله تعالى خذلان عبد بعدله وحكمته أشغل فكرته بالأكوان الظلمانية والشهوات الجسمانية فأنطبعت تلك الأكوان في مرآة قلبه فأنحجب بظلماتها الكونية وصورها الخيالية عن أشراق شموس العرفان وأنوار الإيمان فكلما تراكمت فيها صور الأشياء إنطمس نورها وأشتد حجابها فلا ترى إلا الحس ولا تتفكر إلا في الحس فمنها ما يشتد حجابها وينطمس نورها بالكلية فتنكر وجود النور من أصله وهو مقام الكفر والعياذ بالله ومنها ما يقل صداها ويرق حجابها