الصفحة 20 من 310

لقد كان القرآن بصدد إنشاء تصور خاص , ونظام خاص , ومجتمع خاص . . كان بصدد إنشاء أمة جديدة في الأرض , ذات دور خاص في قيادة البشرية , لتنشىء نموذجا معينا من المجتمعات غير مسبوق ; ولتعيش حياة نموذجية خاصة غير مسبوقة ; ولتقر قواعد هذه الحياة في الأرض ; وتقود إليها الناس .

والإجابة"العلمية"عن هذا السؤال ربما كانت تمنح السائلين علما نظريا في الفلك ; إذا هم استطاعوا , بما كان لديهم من معلومات قليلة في ذلك الحين , أن يستوعبوا هذا العلم , ولقد كان ذلك مشكوكا فيه كل الشك , لأن العلم النظري من هذا الطراز في حاجة إلى مقدمات طويلة , كانت تعد بالقياس إلى عقلية العالم كله في ذلك الزمان معضلات .

من هنا عدل عن الإجابة التي لم تتهيأ لها البشرية , ولا تفيدها كثيرا في المهمة الأولى التي جاء القرآن من أجلها . وليس مجالها على أية حال هو القرآن . إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية . ولم يجيء ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي . . كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم , أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يتلمسوا مخالفاته لهذه العلوم !

إن كلتا المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفته ومجال عمله . إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية . وإن وظيفته أن ينشىء تصورا عاما للوجود وارتباطه بخالقه , ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه ; وأن يقيم على أساس هذا التصور نظاما للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته . . ومن بينها طاقته العقلية , التي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة , وإطلاق المجال لها لتعمل - بالبحث العلمي - في الحدود المتاحة للإنسان - وبالتجريب والتطبيق , وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج , ليست نهائية ولا مطلقة بطبيعة الحال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت