رغم أن اتهامه بالتدليس غير مقبول عندي كثيرًا وذلك لأمور:
الأول: أنه كان في التابعين، ولم يكن من مذهبهم التدليس إلا عن الثقات، ولهذا نجد الحاكم - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يجعل التابعين كلهم في المرتبة الثانية، أقصد ممن يقبل تدليسه، حيث قال: فإنهم كانوا لا يدلسون إلا عن ثقة، ولم يكن غرضهم في الرواية إلا أن يدعوا إلى اللَّه - عز وجل - فأما غير التابعين فأغراضهم مختلفة .
وقال ابن قيم الجوزية: وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس، فليس معروفًا بالتدليس عن المتهمين والضعفاء بل تدليسه من جنس تدليس السلف، لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح، وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين"زاد المعاد 2/327 / ."
وهذا يؤكد ما سبق من أنه على فرض الحكم عليه بالتدليس فهو ممن تقبل عنعنته ولا ترد .
الثاني: أنه كان من أهل الحجاز وليس التدليس مذهبهم، قال الحاكم في معرفة علوم الحديث:"أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم"/ 111 / .
الثالث: ينظر إلى عنعنة أبي الزبير من حيث وجودها في صحيح مسلم، بل في صحيح البخاري كما أشرت إلى ذلك، ومن كان بهذه المثابة، فأحاديثه المخرجة في الصحيحين أو في أحدهما لا يجوز أن يتطرق الشك إلى صحتها لأن صاحبي الصحيحين إنما أخرجوا ما صح وتركوا غيره، وهذا أمر يعرفه أهل الفن مبثوثًا في كتب أهل العلم، فلا يجوز لأحد أن يضعف حديثًا فيه مدلس إن كان الحديث في أحد الصحيحين، فليحذر طلبة العلم من الجرأة على كتابين أجمعت الأمة على صحة ما فيهما فيكون فاسقًا بخرقه لإِجماعها، وادعائه ضعف أحاديث فيهما. أسأل اللَّه السلامة والعافية (1)
(يقول الشيخ أحمد شاكر - رحمه اللَّه - في الباعث الحثيث:"الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم، وتبعهم على بصيرة من الأمر: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها ليس في واحد منها مطعن أو ضعف، وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه، وأما صحة الحديث نفسه فلم يخالف أحد فيها، فلا يهولنك إرجاف المرجفين، وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة، وتتبع الأحاديث التي ت...) "
(1) يقول الشيخ أحمد شاكر - رحمه اللَّه - في الباعث الحثيث:
"الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم، وتبعهم على بصيرة من الأمر:"
أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها ليس في واحد منها مطعن أو ضعف، وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه، وأما صحة الحديث نفسه فلم يخالف أحد فيها، فلا يهولنك إرجاف المرجفين، وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة، وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها، وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم، واحكم على بينة، والله الهادي إلى سواء السبيل / 35 / .
قال الحافظ ابن الصلاح في شرح مسلم / 85 / ونقله عنه الإِمام النووي مقرا له ومؤيدا / 1/19 /: جميع ما حكم مسلم بصحته في هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإِجماع .
فانظر إلى قوله الأخير يتبين لك أن قصدهم بتلقي الأمة بالقبول، إجماعها على ذلك، وقال إمام الحرمين الجويني ( 478 هـ ) "لإجماع علماء المسلمين على صحتهما".
وقد نقل الإِجماع أيضًا الحافظ ابن طاهر المقدسي، قال الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح ( 1/380 / ) وسبق ابن طاهر إلى القول بذلك جماعة من المحدثين كأبي بكر الجوزقي وأبي عبيد اللَّه الحميدي، بل نقله ابن تيمية عن أهل الحديث قاطبة .
قال ابن تيمية:"جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث تلقوها بالقبول وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علما قطعيا أن النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - قالها"الفتاوى 1/257 / .
وقال: ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث كجمهور أحاديث البخاري ومسلم، فإن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين، وسائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث، فإجماع أهل العلم بالحديث على أن هذا الخبر صدق كإجماع الفقهاء على أن هذا الفعل حلال أو حرام أو واجب، وإذا أجمع أهل العلم على شيء فسائر الأمة تبع لهم، فإجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على خطأ"مجموع الفتاوى 18/17 / ."
وممن حكى الإِجماع: الحافظ أبو نصر الواثلي السجزي ( 444 هـ ) قال:"أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم على أن رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - قاله لا شك فيه أنه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته. علوم الحديث / 38 - 39 / ."
وقال أبو إسحاق الإِسفراييني:
"وأهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها"نقله السخاوي في شرح الألفية 1/50 / .
والكلام في هذا كثير اقتصرت على أشهر الأقوال خشية الإِطالة .
وانظر في ذلك تدريب الراوي 1/131 - 143 / والمرقاة شرح المشكاة 1/16 / وحجة اللَّه البالغة 1/101 / والحطة / 55 / ومقدمة السراج الوهاج / 19 / وتهذيب الأسماء واللغات 1/73 / ومحاسن الاصطلاح / 101 / ومقدمة ابن الصلاح / 41 - 44 / وجامع الأصول 1/42 / وغير ذلك من الكتب التي تعرضت لهذه المسألة .
وأظن أن الذي بدأ في التفتيش عن أحاديث الصحيحين، وضعف بعضا منها قد سنّ سنة سيئة حتى وجدنا اليوم بعض الطلبة المبتدئين يخوضون في البحث عن أحاديث في الصحيحين، فيضعفونها، وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل .