الاشتياق إلى مكة يفوق الوصف، وعندهم البشارة بدخولها، ولكن محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته والتأسي به والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله، هي سمة ذلك الجيل. وأكرمهم الله سبحانه وتعالى بما أنزل فيهم من آيات.
أيها القارئ الكريم: تأمل وأنت تتلو سورة الفتح وتدبر في معانيها. قال الله عز وجل: (إِنّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مّبِينًا(1) لِّيَغْفِرَ لَك اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنبِك وَ مَا تَأَخّرَ وَ يُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك وَ يهْدِيَك صِرَطًا مّستَقِيمًا (2) وَ يَنصرَك اللّهُ نَصرًا عَزِيزًا) الفتح: 1، 2، 3، يذكر الله سبحانه فضله على الحبيب عليه السلام ثم يبين المولى عز وجل فضله علي الصحابة الكرام وما حصل لهم من السكينة التي أثمرت زيادة الإيمان.
ثم ذكر المولى سبحانه وتعالى بيعة الرضوان، قال الله تعالى: (لّقَدْ رَضيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَك تحْت الشجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبهِمْ فَأَنزَلَ السكِينَةَ عَلَيهِمْ وَ أَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) .
إنها حقيقة يعجز الإنسان عن وصفها مهما أوتي من بلاغة وفصاحة.
نعم رب العالمين - سبحانه وتعالى- رحم هذه الفئة المؤمنة وأوحى إلى سيد البشر عليه السلام بما حصل منهم وذكر أدق الأوصاف وأخفى الأسرار (مَا فِي قُلُوبِهِمْ) .
وإن الصحابة بلغوا الغاية في الصدق والإخلاص وطلب رضوان المولى، فنالوا الفوز المبين- رضي الله عنهم- كل فرد منهم بايع تحت الشجرة- مكان البيعة- يعلم بأنه داخل في الخطاب ويمشي علي الأرض وهو يعلم بأنه نال الشرف والسعادة، والفوز المبين في الآخرة والغنائم في الدنيا.
تأمل في الآيات! وقل معي كيف يسوغ لعاقل أن يتكلم فيهم؟؟
أو قولهم بأن الله عز وجل بدا له السخط بعد الرضا يا سبحان الله!
ولا أطيل في النقاش واكتفي بالرد علي هذه التأويلات بآية من كتاب الله فتأمل في الآية وتدبر في معانيها، وهي في غاية الوضوح والبيان، وفيها شفاء لما في الصدور، والطاعنون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاروا فيها، وعجز خيالهم نعم حتى الخيال في الرد علي الآية أو وضع تأويل لها لم يستطع، وارتد خاسئًا وهو حسير، ولم أقف لهم علي قولٍ فيها.
ولكن المراء والجدال، واتباع الهوى، منع الناس من اتباع الحق.