خرج الأباء المؤسسون من ديارهم مهاجرين حذر الاضطهاد والتعذيب أو الموت دفاعًا عن آرائهم الدينية. ورنت أبصارهم، إلى عالم جديد بعيد عقدوا عليه الآمال، والتمسوا في حياة مغايرة لعلهم واجدون ضالتهم المنشودة: حرية في العقيدة والفكر، أخوة في المعيشة وصنع الحياة، مساواة في تحمل المتاعب والأعباء التي تلقيها على كواهلهم الحياة الجديدة. وأخيرًا، أو لنقل الحافز الخفي، ثراء ومتاع وبحبوحة عيش. وهكذا شدوا الرحال إلى أرض الميعاد حيث الأمن والسكينة ورغد الحياة. وحملوا معهم زادهم من الفكر. تنوعت منابتهم وأصولهم، وتباينت بالتالي ثقافتهم أو رؤيتهم للحياة وللوجود مصدرًا واتجاهًا وشكلًا ومضمونًا. وهكذا لم يكونوا مجرد أرقام غيرت مواضعها، بل ناسًا أو بشرًا بكل ما تعني كلمة إنسان من دلالات أنثروبولوجية واجتماعية وسيكولوجية وعرفانية. الخ؛ بمعنى أن من هاجر إلى أمريكا هو تراث وتاريخ بشري لصناعة حياة بشرية. وتاريخ جديد، وهو تراث حي له دلالته واصطدم بواقع جديد وبيئة جديدة ومتطلبات جديدة فرضها هذا الواقع على كل من ينشد الحياة هناك.
وهنا نواجه علاقة إنسانية وبيئية جديدة؛ أعني أن هذا يقتضي منا أن نتبين طبيعة العلاقة بين البيئة الجديدة بكل جوانبها الجغرافية والطبيعية والاقتصادية. الخ، وبين الإنسان الوافد الجديد بكل تبايناته وزاده الأيديولوجي، ثم استكشاف المركَّب الجديد اللازم عن هذا التلاحم والتفاعل وكيف أثمر لنا فلسفة وثقافة متميزة ومزاجًا خاصًا. وهذا ما يبين بوضوح من خلال استعراضنا لمسار حياة الآباء المؤسسين والمهاجرين الأول حتى تهيأت لهم مقومات استقلال الشخصية والرشد القومي؛ ومن ثم فكر مستقل وفلسفة جديدة، وإذا بهذه الفلسفة أو هذا الفكر بوجه عام ليس إبنا سفاحًا، ولا فكرًا منقولا برمته، بل هو وإن تعددت جذوره ومصادره، أصبح اخيرًا إبنا شرعيًا لهذا المسار التطوري لواقع حياة الإنسان الجديد في أرض الميعاد.