أما الجانب الفكري الإنساني الذي عبر عنه هذا التحول، متمثلًا في نظرة كل من جون لوك وساحق نيوتن؛ العالم الإنجليزي وصديق لوك، فيؤكد إيمانه الكامل بالإنسان (مرة أخرى الأوروبي) وبقدرته على بلوغ الكمال عن طريق المؤسسات الحرة والتعليم بعد إسقاط أغلال مؤسسة الكنيسة والملكية.
وانتقلت هذه الأفكار وتطورت على أيدي مفكري التنوير والثورة الفرنسية؛ فوليتر وروسو والموسوعيين، وغيرهم، فكانت دعمًا لنظرتهم الوليدة إزاء مشكلات واقعهم، وانتقلت كذلك إلى أمريكا؛ إذ ألهمت هذه الأفكار دعاة الثورة والإيمان بالإنسان والإنسانية في الثورتين، ولكن حسب النموذج الأساسي للإطار الفكري الغربي. وأفضت الهبة الثورية في أمريكا وحرب الاستقلال إلى تحولات هامة في النسيج الاجتماعي والثقافي الأمريكي. وتمثلت هذه التحولات في الجهود المناهضة للارستقراطية، وتوارث الثروات والامتيازات، كما تمثلت في المطالبة بالحرية: حرية العقيدة، وإلغاء العبودية وحق التعليم، وخلق المواطن المستنير وحرية التفكير، وفصل الكنيسة عن الدولة (1)
(1) 1 ـ أعود لأذكر هنا أن مفكري التنوير في الغرب إنما كانوا يضعون نظرياتهم وفي أذهانهم الإنسان الغربي ومصالح الغرب لا الإنسانية جمعاء شرقًا وغربًا، فالمفكر ابن بيئته وابن مجتمعه الذي تحرك، والعالم هو قارة أوروبا. ولا ننسى أن شركات تجارة الرقيق كانت تمخر البحار، وينهب التجار من أبناء الرجل الأبيض أبناء أفريقيا السود يبيعونهم في سوق النخاسة، لحساب طبقة جديدة من أبناء الرجل الأبيض ولم يبستشرهم أو يغضبهم هذا إن لم يشاركوا بالأسهم في تلك الشركات التماسًا لبعض الربح. ولكن هذا لا ينفى تلاؤم إطار معرفي قيمي لحقبة حضارية بذاتها دون سواها. والأمر في جميع الأحوال رهن الإنسان أو الشعب صاحب المصلحة الذي يطبق بيده وفكره رؤيته الجديدة؛ أعني بهذا ضرورة أن نفرق بين توظيف الفكر بمسماه، خاصة بعد تجاوز مرحلة بكورته، لصالح فئة اجتماعية وبين مقتضيات ومستجدات الحقبة الحضارية من حيث الإطار الفكري القيمي في تمايزها عن سوابقها وفي إضافاتها. وهذه التفرقة هامة جدًا. أولًا: تكشف مجلى التزييف الذي واكب جميع الحضارات والمعتقدات عند التطبيق مع حركة التاريخ وتغير الواقع وتباين الفكر والمصالح الفردية والفئوية. ولهذا يتعين أن نمايز بين مقومات الحضارة من حيث الفكر والقيم، وبين أطماع قوى اجتماعية بذاتها لها الهيمنة وثقافتها. وثانيًا: لأنها تبين طبيعة القوى الاجتماعية المختلفة المضارة بهذا التزييف وصاحبة المصلحة في التحالف من أجل التصحيح أو التغيير؛ خاصة بالنسبة لشعوب العالم الثالث، التي لها أن تقبل مقومات الحضارة الجديدة وتضيفها إلى نسيج حياتها في ثوب جديد، مع الاحتفاظ بالمدلول الاجتماعي الأصيل لهذه المقومات وأن تلتمس حلفاءها بين القوى الاجتماعية الأخرى، حتى بين مجتمعات الغرب سعيًا نحو مضمون إنساني شامل للمقومات الحضارية الحداثية.