فهو رحمة للبشرية؛ ورأى ولد إحدى بناته تفيض روحه، فبكى، فلما سئل عن ذلك قال: {هذه رحمة يضعها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباه الرحماء} «أخرجه البخاري ومسلم»
وكان رحمة على القريب والبعيد، عزيز عليه أن يدخل على الناس مشقة، فكان يخفف بالناس مراعاة لأحوالهم، وربما أراد أن يطيل في الصلاة فيسمع بكاء الطفل فيخفف لئلا يشق على أمه. ولما بكت أمامة بنت زينب ابنته حملها وهو يصلي بالناس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها ... «أخرجه البخاري ومسلم» .
وسجد مرة فصعد الحسن على ظهره، فأطال السجود، فلما سلّم اعتذر للناس وقال: {إن إبني هذا ارتحلني، فكرهت أن أرفع رأسي حتى ينزل} ... «أخرجه أحمد والنسائي»
عن سهيل بن الحنظلية قال: مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: {اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة؛"المعجمة: التي لا تنطق"} «رواه أبو داود»
قال الله تعالى له: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} {الأنبياء: 107} ، فما أرسله ـ تعالى ـ إلا ليكون إرساله رحمة للعالمين جميعًا، فمن قَبِلَ رسالته فهو ممن رحمه الله ـ تعالى ـ ومن أعرض فعلى نفسه جنى.
ولقد شملت رحمته - صلى الله عليه وسلم - حتى الحيوانات؛ فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: {من فجع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها!}
ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: {من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن ُيعذِّب بالنار إلا ربُّ النار}
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يرقّ لحال هذا الطائر الذي فقد ولديه، ويرحمه ويأمر من أخذهما بإطلاقهما، مع أن صيد البر حلال، لكن الرحمة التي ملأت جوانح الرسول