وقد أساء بعضهم فهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"من رآني فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي"ورواية"لا يستطيع أن يتمثل بي"فإنهم يظنون أن أي شيء يرونه في المنام يقول لهم إني رسول الله أنه لا بد أن يكون كذلك وهذا ليس بلازم. فإن الشيطان ممنوع من التمثل بشخص النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن ليس ممنوعًا أن يقول أنا رسول الله ويكون غير متمثل بصورة أخرى. ومعلوم أن الناس لا يميزون ذلك لأنهم لم يروه.
ولذلك كان السلف الصالح كابن سيرين وابن عباس إذا جاءهم رجل وقال رأيت رسول الله الله في المنام يُدنونه منهم ويقولون"صف لنا الذي رأيتَه"فإن كان الوصف مطابقًا لما علموه من صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا"رأيتَه"وإن لم يكن كذلك قالوا"لم تره" [1] . ولو كان الأمر على إطلاقه كما يظنون فما يكون من تأكد ابن عباس وابن سيرين من دعوى رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - وجه ولا ضرورة!
قال الحافظ"وقوله (لا يستطيع أن يتمثل بي) يشير إلى أن الله تعالى وإن أمكن الشيطان من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يُمَكّنه من التصور في صورة النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها" [2] .
وقصة الشيخ عبد القادر مع الشيطان مشهورة حيث قال له"أنا ربك"قد أبحتك من فرائضي فقال له الشيخ"إخسأ يا عدو الله"فقال الشيطان"غلبتني بفقهك يا عبد القادر"فسئل عن كيفية وقوفه على خدعة الشيطان فقال: إن الشيطان قال: أنا ربك ولم يجرؤ على أن يقول (أنا الله) وزعم أنه قد أحلني من فرائض العبادات، والله لم يحلَّ ذلك لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فكيف يحلها لي؟
(1) رواهما الحافظ في الفتح بإسنادَيْن جيدَيْنِ 12: 384 .
(2) فتح الباري 12: 386 .