ولكن لا بد من أمرين في حل المحرم للضرورة: الأمر الأول أن يكون مضطرا إلى هذا المحرم، بحيث لا تستدعى ضرورة إلا به، والثاني أن يتيقن انتفاء ضرورته به.
الأمر الأول: أن لا تتبع الضرورة إلا بهذا المحرم، والثاني أن يعلم انتفاءها به، فإن لم يعلم فإنه لا يحرم؛ وذلك لأن فعل المحرم مفسدة محققة، وانتفاء الضرورة إذا لم يتيقن مظنون لا معلوم.
ومن المعلوم أنه لا يرتكب معلوم المفسدة بمظنون المصلحة.
مثال ذلك: رجل في فلاة قفار، وإذا قد فقد الطعام وجاع ولم يجد إلا ميتة، فنقول: لا حرج عليك أن تأكل من الميتة ما تكف به ضرورتك أي ما يسد رمقك ... لأن الأكل هنا متيقن المنفعة تندفع الضرورة؛ ولأنه لم يجد ما يسد به ضرورته من أشفار وأوراق أو غير ذلك، فإن قال القائل: لو لم يجد إلا الخمر نعم رجل عطشان، ولم يجد إلا خمرا، يأخذ منها وعاء تصبيرا، وإن كان فائدة ذلك ... فهل يجوز أن يشرب الخمر؟ نقول: إن الضرورة الآن مقتضية، لكن هل تندفع ضرورته بشرب الخمر؟ الجواب لأن وذلك لأن الخمر لا فائدة منها....
فإذا اضطر لشدة العطش فلا بأس في ذلك؛ ولذلك قالوا أي: الفقهاء قالوا: لو اضطر إلى شرب الخمر لدفع لقمة غص بها جازت له؛ وذلك لأن ضرورته تندفع بإيجادها؛ فيكون مباحا، فلو قال قائل: لو اضطر المريض إلى شرب الدم... لا يجوز ... ولكن قيل له إذا قيل له: إن الدم يبرئ المرض، فهل يجوز ... هذا الذي قيل له ذلك؟ الجواب لا يصح له ذلك، لماذا؟ لسبب انتفاء الشرطين لحل المحرم الضرورة.
أما الشرط الأول: وهو أن يوجد هناك ضرورة؛ فلأن المريض قد يتداوى بغير هذا المحرم، فيشفى، وقد يشفى بدون دواء، فليس مضطرا إلى هذا الدواء المحرم.