فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 417

أو فرش أو نحو ذلك، فإنه يصب عليه من الماء، ويدلك في نحو الفرش والطين الذي يحتاج إلى تقليب حتى تذهب عين النجاسة، ويتيقن من زوالها.

ثالثا: من الأحكام: أن هذا الحديث فيه أن تطهير البول على الأرض يكون بمكاثرة الماء عليه، وهذا ليس حصرا في تطهير النجاسة على الأرض بالماء، وإنما هذا أحد أوجه التطهير، ومن أهل العلم من قال لا تطهر النجاسة إلا بالماء بخصوصه.

والقول الثاني: أن النجاسة تطهر بما يحصل به زوال عين النجاسة، فإذا حصل عندنا وسيلة من وسائل التطهير تزول بها عين النجاسة، فإن ذلك هو المقصود شرعا، فالشريعة لا تتشوق إلى وسيلة من وسائل إزالة النجاسة بل بأي وسيلة زالت النجاسة فإن ذلك مجزئ؛ ولهذا فالصحيح أن النجاسة لا يتعين أن تزال بالماء، بل بأي شيء زالت فإنها مجزئة، يعني: فإن إزالة النجاسة مجزئة؛ لهذا في الأرض تراب والحصى ونحو ذلك تطهره الشمس، فالشمس بحرارتها لها خاصية للتطهير، كذلك يطهره الهواء والهواء ينشف، يطهره الغبار وما يحصل بذلك.

أيضا من وسائل التطهير -كما في عصرنا الحاضر- ثم وسائل كثيرة من السوائل أو من البخار أو نحو ذلك مما قد يكون أبلغ في بعض أحواله من التطهير بنوع من استعمال الماء؛ لهذا نقول الصواب من قول أهل العلم في هذه المسألة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر بأن يهراق على بول الأعرابي بذنوب من ماء؛ لأن الماء قريب، ولأجل أن ينبههم على ذلك، ولكن ذلك ليس بمتعين.

وقد جاء في الحديث -أيضا- أن الذي علقه البخاري في الصحيح ورواه أصحاب السنن أن الكلاب كانت في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- تقبل وتدبر في المسجد وكان تبول ولم يكونوا يغسلون أو يرشون شيئا من ذلك، هذا يدل على أن الشمس والريح والهواء مطهر.

فإذن الصحيح أن تطهير النجاسة ليس كرفع الحدث، فثم رفع للحدث، وثم إزالة للخبث، رفع الحدث عبادة فلا بد فيه مما عين وسيلة له وهو الماء، قال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [1] إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا (( (( (( (( } [2] فهذا في تعبد بالطهارة، وأما إزالة النجاسة فهي من باب الطروق، وباب الطروق لا تحدد فيه وسيلة، لأنه قد يدخل في الحكم الوضعي.

بهذا نقول: إن الصحيح من قول أهل العلم ألا تحد وسيلة من وسائل تطهير النجاسة، فبأي وسيلة زالت النجاسة زالت عين النجاسة فإنه يحصل التطهير.

الحكم الرابع: التفريق ما بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء، فورود الماء على النجاسة يطهر ولو كان الماء ليس بكثير، أي: لا يبلغ قلتين، وأما ورود النجاسة على الماء فإنه إذا كان الماء قليلا -كما ذكرنا لكم في الدرس الماضي- يعني: دون القلتين على الصحيح فإنه ينجسه، يعني: أن يفرق ما بين ورود النجاسة على الماء، فإنه إذا وردت النجاسة على ماء قليل ينجس وما بين ورود الماء القليل الذي هو دون القلتين على النجاسة، فإنه يطهر، فيفرق في هذا ما بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء. الخامس: في الحديث رفق النبي -عليه الصلاة والسلام- بصحابته وحسن تعليمه لهم، ورفقه في الإنكار على الجاهل الذي لا يعلم وحسن معالجته -عليه الصلاة والسلام- بالأمور، وهذا لأجل أن الشريعة جاءت لتحسين المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، فالجاهل أن يتلطف معه في التعليم من تحصيل المصالح ومن درء المفاسد وتقليلها، وكذلك هذا الأعرابي لو زجر وقام وهو يبول لكان تعدد النجاسة أو إصابة النجاسة تكون أكثر لأجزاء من المسجد، وقد يفوت تتبع تلك الأجزاء بأنها تكثر نقطة هنا ونقطة هنا بهذا من حكمة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن عالج الأمر بهذا الرفق العظيم عليه صلوات ربي وسلامه.

السادس: أن الحمية في الدين قد لا تكون صوابا دائما فالصحابة -رضوان الله عليهم- حملتهم الغيرة على المسجد أن يزجروا الأعرابي الذي انتهك حرمة المسجد، فبال فيه، وكان معدن العلم والرسالة فالمصطفى - صلى الله عليه وسلم - في رفقه ولينه وحسن تعليمه ومعالجته للأمر هو الحكم الشرعي، وهو الأعلى، فيتبين بذلك

(1) - سورة المائدة آية: 6.

(2) - سورة النساء آية: 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت