الثالث: من الفوائد أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كانت حاله حال بساطة وحال زهد وبعد عن ملذات الدنيا، وهو الذي خير أن لو شاء لكان ملكا نبيا لحصل له ذلك -عليه الصلاة والسلام- ولكنه اختار أن يكون عبدا رسولا وعاش -عليه الصلاة والسلام- عيشة ليست عيشة المترفين ولا الأغنياء ولا الملوك -عليه الصلاة والسلام-.
فهذه جفنة يتداولها -عليه الصلاة والسلام- هو وزوجه، يعني: من قلة ما في البيت من الأشياء التي تستعمل؛ لهذا لما أراد الوليد بن عبد الملك أن يوسِّع المسجد أراد أن يهدم غرف النبي -عليه الصلاة والسلام- وأن يغير طابعها، وأن يبني بنيانا يغير من الهيئة التي كانت عليها، فبكى كثيرون من التابعين، وأنكر كثيرون -كما هو معلوم في ذلك- لأجل أن لا يكون ما حصل من إدخال الغرفة أو إحاطة المسجد بالغرفة إلا من جهة واحدة أن يكون بتغيير معالم الغرفة أن لا يكون زريعة لتعظيم قبر النبي -عليه الصلاة والسلام- وتعظيم حجرته، ثم هو السبب الثاني الذي صرَّح به سعيد بن المسيب وجماعة قالوا ليتهم تركوا الناس ينظرون ما كان عليه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من الحال في الدنيا وكيف كان بيته من أعواد يستكن بها عن المطر، وكيف كانت حالته -عليه الصلاة والسلام- في أوانيه؛ لأن كانت بعض الآنية موجودة في البيت.
المقصود أن النبي -عليه الصلاة والسلام- هو أكرم الخلق على ربه ومع ذلك لم يعطه من الدنيا، فإن الله -جل وعلا- يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، والنبي -عليه الصلاة والسلام- اختار أكمل الحالات، وهي الزهد والبعد عن المتاع والبعد عن التلذذ، بل قد نام على حصير مرة فأثَّر في جنبه من شدة خشونته ولين جلد النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا ينبغي على طالب العلم وعلى الرجل الصالح، والعبد الصالح، وكذلك المرأة الصالحة أن يعوِّد نفسه البعد عن الملذات في بعض الأحيان، نحن اليوم -كما ترون- فاضت علينا الأمور بحيث إن الناس صاروا يتنافسون فيما يريحهم، وينبغي على المرء أن يذكر نفسه بين الحين والآخر بما فيه تقشف، وبما فيه معالجة لبعض الأمور العسيرة عليه بعض الشيء مما فيه ترك الملذات، وترك استعمال الأشياء تذكرا بنعمة الله -جل وعلا- عليه إما في الثياب أو في المسكن أو في الفراش أو نحو ذلك حتى يتذكر العبد النعمة، ويتذكر حال المصطفى -عليه الصلاة والسلام-. نعم.