وبارك له في عمله.
هذا الإمام العظيم وصفه العلماء بالإمامة وأجمعت كتب التراجم والسير على أنه الإمام الحافظ الكبير حتى وصفه بعضهم بأنه منتهى الحفاظ من كثرة ما حفظ-رحمة الله عليه-، وأثنى عليه الذهبي في السير، وأثنى عليه الحافظ بن كثير وغيرهم من الأئمة ولم تر العيون مثله مما كان عليه من الضبط والإتقان والتفاني في تعليم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومع هذا كانت له الآداب الكريمة والسجايا الجليلة كان محببًا إلى عباد الله موطأ الكنف يألف ويؤلف بعيدًا عن العنف قريبًا إلى اللين واللطف يأخذ الناس فيملكهم بحسن معاملته قبل أن يملكهم بحسن بيانه-رحمة الله عليه-، وضع الله له القبول فكانت سجاياه كريمة لا يعنف طلابه ولا يؤذيهم، وكان على السماحة ولين الجانب وتوطأت الكنف حتى أقبل الناس عليه وأحبوه، وكان سريع الدمعة كثير الخشية لله - جل جلاله -، وربما حدث بالحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى وأبكى فما أطيب السنة إذا تكلم بها-رحمة الله عليه-، وكان مع هذا مجدًا في تعليم الطلاب وتأليف التآليف وكتابة التصانيف حتى كتب أكثر من ستين مؤلفًا في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأحكام، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، واشتهر بالدعوة إلى الخير حتى وافاه أجله عام ستمائة من الهجرة 600 هـ - نسأل الله العظيم أن ينور له في قبره، وأن يفسح له فيه، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى عالمًا عن علمه، وحامل سنة عن حمله -.
وكتابنا الذي اخترناه كتاب عمدة الأحكام كتاب اختاره هذا الإمام الجليل من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واختار من هذه السُّنة أصحها وأقواها وذلك مما اتفق عليه الشيخان فأعلى الأحاديث وأقواها ثبوتًا ما اتفق عليه الشيخان كما أشار إلى ذلك صاحب الطلعة-رحمة الله عليه- بقوله:
أعْلَى الصَّحِيْحِ ما عَلَيْهِ اتَّفَقَا فَمَارَوَى الجعْفِيُّ فَرْدًا يُنْتَقَى
فَمُسْلِمْ كَذَاكَ بِالْشَّرْطِ عُرِفْ فَمَا لِشَرْطٍ غَيْر ذَيْنِ يكْتَنِفْ
فقوله: أعلى الصحيح ما عليه اتفقا": فاختار أعلى الصحيح وأقواه ثبوتًا، ولذلك اعتنى-رحمة الله عليه- باختيار ما اتفق عليه الشيخان ووفق في اختيار أحاديث الأحكام فشمل اختياره أحاديث العبادات والمعاملات، ولقد وفق-رحمة الله عليه- توفيقًا كبيرًا في حسن الاختيار فكان يختار أهم الأحاديث التي تنبني عليها الأحكام وأهم الأحاديث التي دار عليها خلاف العلماء-رحمة الله عليهم-، ولذلك كان كتابه عمدة كما وصفه فهو عمدة في الأحكام لاشتماله على أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي أُستند إليها في تقرير"