كانت فرضية الصيام في أول الأمر إذا صام الإنسان يصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا غابت الشمس وأفطر إذا نام ولو بعد مغيب الشمس وبلحظة واحدة حرم عليه الأكل والشرب إلى اليوم الثاني فكانت هذه هي فرضية الصيام في أول الأمر، ثم إن الله خفف ذلك فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله-سبحانه-: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر} فخفف هذا الصيام؛ والسبب في ذلك قصة الصحابي الذي أغمي عليه حينما جاء من عمله وكان في فلاحته وزراعته فلما جاء آخر النهار سأل امرأته الطعام، فذهبت لتحضر الطعام له، فأصابه الغشي من التعب والعناء، فنام فجاءت فقالت له: ويلك! أنمت؟! فلما أصبح في اليوم الثاني أصبح مجهدًا منهكًا، فغشي عليه في منتصف النهار، فخفف الله - عز وجل - عن عباده، وهذا من نسخ الأثقل بالأخف، فخفف الله - عز وجل - الفرضية وجعلها من طلوع الفجر الصادق إلى مغيب الشمس، وهذا هو الذي استقر عليه حكم الله - عز وجل - لهذه الأمة إلى قيام الساعة.
والصيام في الأمم الماضية يكون بالإمساك عن الكلام كما في قوله-تعالى-: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} ، واختلف العلماء-رحمهم الله تعالى- في قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال بعض العلماء: الشبه في قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} من حيث الفرضية أي ألزمناكم بالصيام كما ألزمنا من قبلكم - وإن كان هناك فرق بينكم وبينهم في الصفة -، وقال بعض العلماء: بل إن الفرضية في أولها كانت كفرضية أهل الكتاب، ثم نسخت بعد ذلك.