وفي الصيام خير كثير، فإنه يذكر الأغنياء بالفقراء ويذكرهم بالمحتاجين فإن الإنسان إذا جاع وعطش مع قدرته أو علمه أنه في آخر النهار سيجد الطعام وسيجد الشراب فإنه سيتذكر الفقير الذي لايجد طعامًا ولا شرابًا، ولذلك قالوا: إن هذا الصيام فيه مصلحة عظيمة للإنسان من جهة تذكره للضعفاء خاصةً إذا كان من الأغنياء والأثرياء فإن الغني ربما ينسى إخوانه من الضعفاء والفقراء بسبب ما فيه من الغنى كما قال-تعالى-: {كَلاَّ إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى - أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} فالإنسان إذا استغنى أصابه الطغيان ولكن إذا جاع كما يجوع الفقير وظمئ كما يظمأ الفقير دعاه ذلك إلى أن يتذكر هؤلاء الضعفاء فيعطف عليهم، ثم إن الصيام يُذَكِّر بالله - جل جلاله - ويُذَكِّر بالآخرة، ولذلك كان بعض العلماء-رحمة الله عليهم- يبكي إذا انتصف النهار؛ لأنه يتذكر إذا وقف بين يدي الله - عز وجل - واشتد الحر وعظم ظمأ الناس في عرصات يوم القيامة، فهو يذكر بالله - سبحانه وتعالى -، فلأجل هذه الحكم العظيمة والغايات الجليلة الكريمة شرع الله الصيام، وأخبر - سبحانه وتعالى - أنه سبيل لأعظم وأحب الأشياء إليه وهو تقواه فقال-تعالى-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي جعلناه سببًا للتقوى، وما خرج الإنسان بزاد من الدنيا أحب إلى الله - عز وجل - من تقواه كما قال-سبحانه-: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} فإذا كان الصوم يزيد من التقوى فمعناه أنه يزيد من أمرين وهما تحصيل فرائض الله والانكفاف والامتناع عن محارم الله - سبحانه وتعالى -.