فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 307

وجدير بالذكر أن البخاري قد تفوق في علم العلل على مسلم ، ومن الأمور التي تميز بها البخاري انتقاؤه لأحاديث من يروي عنه ، فعلى سبيل المثال ، لم يرو البخاري لخالد بن مخلد (وقد تكلم فيه) إلا من طريق سليمان بن بلال ، ولم يرو لإسماعيل بن أبي أويس إلا حديثه عن مالك لأنه من أثبت الناس في مالك ، رغم أنه أكثر من الرواية عن عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك ، وروى من طريق معن بن يحيى القزاز عن مالك وإن كان لم يسمع من يحيى .

مسألة: ادعى ابن كثير ، أن اشتراط البخاري اللقي ، ولو مرة واحدة بين المتعاصرين ، هو شرط كمال ، وليس بلازم في أصل الصحة ، وقد رد على هذا الرأي الحافظ في النكت ، حيث قال: ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه لا في أصل الصحة ، وأخطأ في هذه الدعوى بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري ، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في"تاريخه"بمجرد ذلك ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:

ما أعل به حديث حكيم الأثرم ، عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة مرفوعا: من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فيما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ، فقد علق البخاري على هذا الحديث في التاريخ الكبير (2/1/17) بقوله: (هذا حديث لا يتابع_أي حكيم الأثرم_عليه ، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة) ، مع أن أبا تميمة وأبا هريرة قد تعاصرا .

حديث أبي المطوس ، عن أبي هريرة مرفوعا: من أفطر من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر ، ولو صامه ، فقد نقل الحافظ في الفتح (8/306) ، قول البخاري في التاريخ: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا .

مسألة: رواية مسلم ، عن بعض الضعفاء ، ما عرف من طريق الثقات ، لأجل العلو في السند:

صرح مسلم بذلك ، لأن هذا الحديث يكون عنده من طريق هذا الضعيف بعلو ، ومن طريق من هو أوثق منه بنزول ، فالحديث صحيح ثابت ، فلا يضر مسلم تخريجه من رواية الضعيف .

وقد تطرق الخطيب البغدادي لهذه المسألة في ترجمة أحمد بن عيسى المصري في (تاريخ بغداد) ، حيث روى بسند صحيح من طريق سعيد بن عمرو البرذعي ، قال: شهدت أبازرعة_يعني الرازي_ذكر كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم بن الحجاج ، ثم الصائغ على مثاله ، فقال لي أبوزرعة: هؤلاء قوم أرادو التقدم قبل أوانه ، فعملوا شيئا يتشوفون به ، ألفوا كتابا لم يسبقوا إليه ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت