الرابع: غير واحد من الأصحاب يقول: من شرط القاضي كونه مجتهدًا وهو الذي أشار إليه الخرقي بقوله: عالمًا فقيهًا والمجتهد من له أهلية يمكنه أن يعرف بها غالب الأحكام الشرعية الفرعية بالدليل إذا تبينا معرفة جملة كثيرة منها بأدلتها فيحتاج أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام المذكورة جملة، ويعرف حقيقة ذلك ومجازه، وأمره ونهيه، ومبينه ومجمله، ومحكمه متشابهه، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، وناسخه ومنسوخه والمستثنى والمستثنى منه، ويزيد في السنة بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام. صحيحة وسقيمة، وتواتره وآحاده، ومرسله ومنقطعه ونحو ذلك، ويعود موضع الوفاق من موضع الخلاف فيما يتعلق بالأحكام والقياس وما يتعلق به، والعربية المتداولة بالحجاز واليمن والشام والعراق ومن حولهم من العرب. وزاد ابن عقيل في التذكرة: والاستدلال، واستصحاب الحال، والقدرة على إبطال شبهة المخالف، وإقامة الدلالة على مذهبه.
(قال) : ولا يقضي بين اثنين وهو غضبان.
(ش) : هذا - والله أعلم اتفاق، وقد شهد له ما روى عبد الرحمن بن أبي بكرة رضي الله عنه قال:"كتب أبي، وكتبت إلى ابنه عبد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ بسجستان: ألا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" [1] رواه الجماعة وفي معنى هذا كل مشغل للفكر، كشدة جوع، أو عطش، أو ألم، أو هم، أو حزن، أو فرح، أو نعاس أو حر مزعج، أو برد مؤلم أو مدافعة بول أو غائط، ونحو ذلك، وظاهر كلام الخرقي وعامة الأصحاب أن المنع من ذلك على سبيل التحريم، وفي الخصال لابن البنا الإتيان بلفظ الكراهة. وفي المغني: لا خلاف نعلمه أن القاضي لا
(1) أخرجه مسلم في الأقضية (16) ، والترمذي في الأحكام (7) ، والنسائي في القضاة (18) ، وابن ماجه في الأحكام (4) ، وأحمد في 5/ 36، 38، 46.