وفي قوله:"لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف"الحذر من تنفير الناس، ومن الجهالة بمكان أن بعض الناس لا يراعي هذا الأمر، ويقول: لا بد من بيان الحق ولو سخط الساخطون، نعم، هذا لا خلاف فيه، لكن لا يشفع لكلامك هذا أن تسلك تنفير الناس عن قبول دعوتك بخشونة في ألفاظك وسوء أخلاقك، الأسلوب الحسن يجعل البعيد قريبًا بفضل الله، ويجعل العسير يسيرًا بفضل الله، كما أن ضده من سوء الخلق يجعل القريب بعيدًا، كم من سوء خلق بعَّد قريبا، وعسَّر يسيرًا، وكم من حسن خلق قرَّب بعيدًا ويسَّر عسيرًا بفضل الله جل وعلا، فلزوم على من علم من نفسه ومن خلقه أن الناس ينفرون عنه أن يجاهد نفسه، وأن يوطن نفسه، وأن يكثر من الدعاء.
ويستحسن هنا ذكر النظرية الباطلة التي يزعم بعض مُنَظِّريها، أن الإنسان لا يستطيع أن يغير أخلاقه بل يكون كالحمل الوديع أو كالسبع المفترس، بعض الفلاسفة اسبينوزا وغيره ملاحدة زعموا أن الأخلاق لا تقبل التغير، وهذه النظرية باطلة شرعًا وعقلًا، فالكافر يسلم، والمسلم قد يكفر، تغيرت عقائد وأديان ألا تتغير أخلاق؟! ومن أسباب تغيير الأخلاق قوله عليه الصلاة والسلام:"إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يُعْطَه"تفعُّل، بذل الأسباب استفراغ الجهد من يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه، فشاهد القول أن على طلبة العلم وعلى دعاة الخير أن يراعوا هذا الجانب؛ فقد كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- أكمل الناس خلقًا، ونحن نرى في مجتمعنا أو نرى
.ـــــــــــــــ
فيمن نعاصر ونعاشر من يؤثر على الناس بسمته ووقاره، ولو كان علمه قليلًا، كما أنا نرى أن بعض الناس قد يكون عنده علم يتميز بين أقرانه، لكن سوء الخلق حرمه وحرم غيره من خير كثير.