وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَسَافَةَ الزَّمَنِيَّةَ بَيْنَ عَصْرِ تَالِيفِ هَذِهِ الْمَوْسُوعَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَبَيْنَ الْعَصْرِ الَّذِي عَاشَ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَرِيبَةٌ جِدًّا، وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ"الْفِهْرِسْتُ"مُخَالِفًا لِلْوَاقِعِ لَا نُبَرِّئُ الْكَثِيرَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ، وَمُطَالَبَتِهِ بِتَصْحِيحِ مَا ادَّعَاهُ عَلَى إِمَامِهِمْ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْدُثْ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى نِسْبَةِ الْكِتَابِ إِلَيْهِ.
وَيَذْكُرُ الشَّيْخُ أَحْمَد مُحَمَّد شَاكِر فِي مُقَدِّمَةِ الْمُسْنَدِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ"قَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ فَقَدْ كَفَرَ".
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ"الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"سَأَلْتُ أَبِي عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ.
فَقَالَ أَبِي بَلَى، تَكَلَّمَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- بِصَوْتٍ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ، نَرْوِيهَا كَمَا جَاءَتْ.
وَقَالَ أَبِي حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَمَدِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ.
قَالَ"وَهَذِهِ الْجَهْمِيَّةُ تُنْكِرُهُ، وَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ، يُرِيدُونَ أَنْ يُمَوِّهُوا عَلَى النَّاسِ ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ صَوْتَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا."
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مِنَ الْقُرْآنِ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ.
إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا إِلَخْ.
وَنَعْتَقِدُ أَنَّ فِيمَا سُقْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ كَغَايَةٍ لِإِثْبَاتِ نِسْبَةِ الْكِتَابِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَنَخْتِمُ حَدِيثَنَا بِمَا ذَكَرَهُ أَحَدُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ -وَهُوَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ أَبُو زَهْرَةَ- عِنْدَ تَارِيخِهِ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ وَكُتُبُهُ الَّتِي كَتَبَهَا، وَكُلُّهَا فِي الْحَدِيثِ فِي الْجُمْلَةِ هِيَ"الْمُسْنَدُ"، و"التَّارِيخُ"، و"النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ"، و"الْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى"، و"فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ"، و"النَّاسِكُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ"، وَكِتَابُ"الزُّهْدِ"، وَلَهُ رَسَائِلُ تُبَيِّنُ مَذْهَبَهُ فِي الْقُرْآنِ، وَالرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، وَالرَّدُّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهَا، وَنَقَلْنَا مِنْ بَعْضِهَا عِنْدَ الْكَلَامِ فِي حَيَاتِهِ، وَآرَائِهِ فِي الْعَقِيدَةِ، وَمَا كَانَ يُثَارُ فِي عَصْرِهِ.
التَّعْرِيفُ بِالْكِتَابِ
"الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالزَّنَادِقَةِ"كَانَ أَحَدَ الْمَعَالِمِ الرَّئِيسِيَّةِ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ وَبَعْضِ الرَّابِعِ، لَقَدْ وَقَفُوا أَمَامَ الْغَزْوِ الْفِكْرِيِّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ خَارِجِ بِلَادِهِمْ وَقْفَةً صُلْبَةً قَوِيَّةً أَفْحَمُوا أَصْحَابَهُ، وَشَتَّتُوا شَمْلَهُمْ، وَأَعَادُوا الْخَارِجِينَ مِنْ رِحَابِ الْإِسْلَامِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ مَرَّةً أُخْرَى.