فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْخَضِرَ هَذَا قَدْ عَرَفَهُ الْخَلَّالُ، وَرَوَى عَنْهُ كَمَا رَوَى كَلَامَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ أَصْحَابِهِ، وَلَا يَضُرُّ جَهَالَةُ غَيْرِهِ لَهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْخَلَّالَ قَدْ قَالَ كَتَبْتُهُ مِنْ خَطِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، وَكَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ خَطِّ أَبِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَلَّالَ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ الْخَضِرِ; لِأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ السَّنَدِ عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ النَّقْلِ، وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ عَنْهُ غَيْرَ هَذَا مَعَهُ فِي جَامِعِهِ، فَقَالَ فِي كِتَابِ"الْأَدَبِ مِنَ الْجَامِعِ"دَفَعَ إِلَيَّ الْخَضِرُ بْنُ الْمُثَنَّى بِخَطِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، وَأَجَازَ لِي أَنْ أَرْوِيَهُ عَنْهُ.
قَالَ الْخَضِرُ حَدَّثَنَا مُهَنَّا، قَالَ سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ الرَّجُلِ يَبْزُقُ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.
فَقُلْتُ لَهُ لِمَ يُكْرَهُ أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.
قَالَ أَلَيْسَ عَنْ يَمِينِهِ الْمَلَكُ؟ فَقُلْتُ وَعَنْ يَسَارِهِ أَيْضًا مَلَكٌ.
فَقَالَ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَالَّذِي عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْكِتَابِ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فَقَالَ قَرَاتُ فِي كِتَابِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ قَرَاتُ عَلَى أَبِي صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ هَذَا الْكِتَابَ، فَقَالَ هَذَا كِتَابٌ عَمِلَهُ أَبِي فِي مَجْلِسِهِ رَدًّا عَلَى مَنِ احْتَجَّ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَرَكَ مَا فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَا يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ"."
وَيَقُولُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ"اجْتِمَاعُ الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ""ذَكَرَ هَذَا الْكِتَابَ كُلَّهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ"السُّنَّةِ"الَّذِي جَمَعَ فِيهِ نُصُوصَ أَحْمَدَ وَكَلَامَهُ، وَعَلَى مِنْوَالِهِ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ"جَامِعُ النُّصُوصِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَهُمَا كِتَابَانِ جَلِيلَانِ، لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُمَا عَالِمٌ.
وَخُطْبَةُ كِتَابِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةً مِنْ الرُّسُلِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى، يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ -تَعَالَى- أَهْلَ الْعَمَى، فَكَمْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ، وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ، فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ فِي النَّاسِ، وَمَا أَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ -تَعَالَى- تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَاوِيلَ الْجَاهِلِينَ، الَّذِينَ عَقَدُوا أَلْوِيَةَ الْبِدَعِ، وَأَطْلَقُوا عَنَانَ الْفِتْنَةِ، فَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ، مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ، مُجْمِعُونَ عَلَى"