فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا، فإن الشيطان موكل ببني آدم، وهو يعرض للجميع ولا يسلم أحد، من مثل هذه الأمور دع ما سواها من نوع تقصير في مأمور أو فعل محظور، باجتهاد أو غير اجتهاد، وإن كان هو الحق، ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله، به فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر، فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك الصبر، فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في علمه يؤمر بالصبر، فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور،..و قد يحسب المؤذى إذا كان مظلومًا لا ريب فيه، أن ذلك المؤذي محض باغ عليه، ويحسب أنه يدفع ظلمه بكل ممكن، ويكون مخطئا في هذين الأصلين، إذ قد يكون المؤذي متأولًا مخطئًا، وإن كان ظالمًا لا تأويل له، فلا يحل دفع ظلمه بما فيه فتنة بين الأمة، وبما فيه شر أعظم من ظلمه، بل يؤمر المظلوم ها هنا بالصبر، فإن ذلك في حقه محنة وفتنة، وإنما يقع المظلوم في هذا لجزعه وضعف صبره، أو لقلة علمه وضعف رأيه، فإنه قد يحسب أن القتال ونحوه من الفتن يدفع الظلم عنه، ولا يعلم أنه يضاعف الشر كما هو الواقع، وقد يكون جزعه يمنعه من الصبر، والله سبحانه وصف الأئمة بالصبر واليقين، فقال: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) ، وقال: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ، وذلك أن المظلوم وإن كان مأذونًا له في دفع الظلم عنه بقوله تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) ، فذلك مشروط بشرطين: أحدهما القدرة على ذلك، والثاني ألا يعتدي، فإذا كان عاجزًا أو كان الانتصار يفضى إلى عدوان زائد لم يجز).ا.هـ من الاستقامة (1/37-44)
*ومن الظلم في هذا الباب: أن يقصد الإنسان الحط من أخيه، والنيل منه، فلا يجد لذلك سبيلًا إلا أن يُلبس ذلك بلباس الدين، والحقيقة: ما هي إلا حب العلو في الأرض.