الصفحة 27 من 93

قال سبحانه وتعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: من الآية30) الآن ابتدأت قصة أبينا المجهود التائب إلى الله ، ومن يشابه أباه فما ظلم!

فما معنى الخليفة ؟ قالوا: هو آدم .

والصحيح: أن الخليفة ، يعني: قوما يخلفون قوما ، وهذا الذي رجحه ابن كثير ؛ كما قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام 165] فبعضنا يخلف بعض قرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل ، وأمة بعد أمة .

قال الشاعر:

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض *** إلا من هذه الأجساد

صاح هذه قبورنا تملأ الرحب *** فأين القبور من عهد عاد

يقول: قبورنا ملأت الدنيا فكيف بالقبور التي سلفت وسلفت وسلفت ؟

وحكمة خلق الخليفة أن يسكن الأرض لمقاصد:

منها: أن يعمر الأرض كما قال تعالى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] .

ومنها: أن يأتي من ذرتيه الأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم والشهداء والعلماء والصائمون والمصلون .

ومنها: أن يبتليه ، سبحانه وتعالى .

كما قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2] .

ومنها: أن يظهر ، سبحانه وتعالى ، قدرته للعالمين ، لأنه لا يكون الملك ولله المثل الأعلى ملكا ، إلا إذا كانت له رعية يتصرف فيهم يقتل هذا ويعفو عن هذا ، ويعطي هذا ويولي هذا ويعزل هذا .

فالله أراد أن يظهر سلطانه في الأرض ، وحكمته البالغة وقدرته النافذة ، ويظهر رحمته وعقابه فأتى بآدم.

ومنها: انه أراد سبحانه وتعالى أن يظهر غفرانه ، ويظهر شديد عقابه ، فانه الغفور الرحيم شديد العقاب ، فكيف نعرف انه غفور رحيم إذا لم يغفر ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت