قال سبحانه وتعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: من الآية30) الآن ابتدأت قصة أبينا المجهود التائب إلى الله ، ومن يشابه أباه فما ظلم!
فما معنى الخليفة ؟ قالوا: هو آدم .
والصحيح: أن الخليفة ، يعني: قوما يخلفون قوما ، وهذا الذي رجحه ابن كثير ؛ كما قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام 165] فبعضنا يخلف بعض قرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل ، وأمة بعد أمة .
قال الشاعر:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض *** إلا من هذه الأجساد
صاح هذه قبورنا تملأ الرحب *** فأين القبور من عهد عاد
يقول: قبورنا ملأت الدنيا فكيف بالقبور التي سلفت وسلفت وسلفت ؟
وحكمة خلق الخليفة أن يسكن الأرض لمقاصد:
منها: أن يعمر الأرض كما قال تعالى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] .
ومنها: أن يأتي من ذرتيه الأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم والشهداء والعلماء والصائمون والمصلون .
ومنها: أن يبتليه ، سبحانه وتعالى .
كما قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2] .
ومنها: أن يظهر ، سبحانه وتعالى ، قدرته للعالمين ، لأنه لا يكون الملك ولله المثل الأعلى ملكا ، إلا إذا كانت له رعية يتصرف فيهم يقتل هذا ويعفو عن هذا ، ويعطي هذا ويولي هذا ويعزل هذا .
فالله أراد أن يظهر سلطانه في الأرض ، وحكمته البالغة وقدرته النافذة ، ويظهر رحمته وعقابه فأتى بآدم.
ومنها: انه أراد سبحانه وتعالى أن يظهر غفرانه ، ويظهر شديد عقابه ، فانه الغفور الرحيم شديد العقاب ، فكيف نعرف انه غفور رحيم إذا لم يغفر ؟