فجلس في هذا المكان من الصباح ، فلما قرب الظهر وإذا هو بسهم فيه دم وقع بجانبه ، فرفع السهم فوجده طار من اثنين تقاتلا خارج البستان وأتى إليه السهم ، قال: ولا يوم واحد - حتى يوم واحد - ما نسلم من المشاكل .
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها *** إلا التي كان قبل الموت بانيها
إن بناها بخير طاب مسكنه *** وان بناها بشر خاب بانيها
يقول أبو الفتح البستي أحد العلماء:
يا عامرا لخراب الدار مجتهدا *** بالله هل لخراب الدار عمران
ومن العجيب ، انك تجد الشيخ الكبير ، عمره يناهز الثمانين ، ومع ذلك تجده حريصا على طلب الدنيا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (( يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص على المال . والحرص على العمر ) ) (1) .
هذا هو الإنسان وهذه طبيعته ، ولا يعرف حقيقة الدنيا إلا من عرف الله ورسول الله والدار الآخرة .
عندما أتت هارون الرشيد سكرات الموت قال: أخرجوني أرى الجيش ، فخرج جيشه فإذا هم تسعون ألفا ، فنظر إليهم ، وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه .
الوليد بن عبد الملك بنى قصورا في دمشق ما يعلمها إلا الله ، وهو الذي وسع المسجد النبوي ووسع المسجد الأقصى ، وأتى بالمشاريع الهائلة ، بنى قصورا وحدائق لا يعلمها إلا الله ، فلما أتته سكرات الموت لبط وجهه في الأرض وضرب وجهه ، وقال: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} (الحاقة:28 - 29) وهذا عبد الملك بن مروان عندما حضرته سكرات الموت سمع غسالا ، بجانب القصر ، قال: يا ليتني كنت غسالا يا ليت أمي لم تلدني ، قال سعيد بن المسيب لما سمع الكلمة: الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم .
(1) أخرجه مسلم ( 1047) عن انس بن مالك ، رضي الله عنه .