الصفحة 61 من 69

وقول هذا القائل:"شرٌّ من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعة، وجرى معه في ميدان المعصية"يقتضي أن ل من عصى الله فهو شر من إبليس، لأنه لم يسبقه في سالف طاعة، وجرى معه في ميدان المعصية. وحينئذ فيكون آدم وذريته شرًّا من إبليس، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" [1] .

ثم هل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن من أذنب ذنبًا من المسلمين يكون شرًا من إبليس؟ أو ليس هذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام؟ وقائل هذا كافر كفرًا معلومًا بالضرورة من الدين. وعلى هذا فالشيعة دائمًا يذنبون، فيكون كل منهم شرًا من إبليس. ثم إذا قالت الخوارج: إن عليًّا أذنب فيكون شرًا من إبليس - لم يكن للروافض حجة إلا دعوى عصمته وهم لا يقدرون أن يقيموا حجة على الخوارج بإيمانه وإمامته وعدالته، فكيف يقيمون حجة عليهم بعصمته؟ ولكن أهل السنة تقدر أن تقيم الحجة بإيمانه وإمامته، لأن ما تحتج به الرافضة منقوض ومعارض بمثله، فيبطل الاحتجاج به.

ثم إذا قام الدليل على قول الجمهور الذي دل عليه القرآن كقوله تعالى: {وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] ، لزم أن يكون آدم شرًا من إبليس.

وفي الجملة فلوازم هذا القول وما فيه من الفساد يفوق الحصر والتعداد.

وأما الثانية: فهذا الكلام كلام بلا حجة، بل هو باطل في نفسه. فلم قلت: إن شرًا من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعة وجرى معه في ميدان معصية؟ وذلك أن أحدًا لا يجرى مع إبليس في ميدان معصيته كلها، فلا يتصور أن يكون في الآدميين من يساوي إبليس في معصيته، بحيث يضل الناس كلهم ويغويهم.

وأما طاعة إبليس المتقدمة فهي حابطة بكفره بعد ذلك، فإن الردة تحبط العمل، فما تقدم من طاعته: إن كان طاعة فهي حابطة بكفره وردته، وما يفعله من المعاصي لا يماثله أحد فيه، فامتنع أن يكون أحد شرًا منه، وصار نظير هذا المرتد الذي يقتل النفوس ويزني ويفعل عامة القبائح بعد

(1) الحديث عن أنس رضي الله عنه: سنن الترمذي 4/ 70 (كتاب صفة القيامة، باب منه) ، سنن ابن ماجه 2/ 1420 (كتاب التوبة، باب ذكر التوبة) ، سنن الدارمي 2/ 303 (كتاب الرقائق، باب في التوبة) ، المستدرك للحاكم 4/ 244 وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وحسّن الألباني الحديث في"صحيح الجامع الصغير"4/ 171.

وانظر: جامع الأصول 3/ 70، الترغيب والترهيب 5/ 52. وذكر الإمام أحمد الحديث مطولًا في مسنده (ط. الحلبي) 3/ 198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت