لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا [الكهف: 108] ، وكما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالًا" [1] .
ولفظ البغي إذا أطلق فهو الظلم، كما قال تعالى: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [الحجرات: 9] ، وقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} [البقرة: 173] .
وأيضًا فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكر هذا لما كانوا ينقلون اللبن لبناء المسجد، وكانوا ينقلون لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار". وهذا ليس فيه ذم لعمار، بل مدح له. ولو كان القاتلون له مصيبين في قتله لم يكن مدحًا له، وليس في كونهم يطلبون دم عثمان ما يوجب مدحه.
وكذلك من تأول قاتله بأنهم الطائفة التي قاتل معها، فتأويله ظاهر الفساد، ويلزمهم ما ألزمهم إياه عليّ، وهو أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه قد قتلوا كمل من قتل معهم في الغزو، كحمزة وغيره. وقد يقال: فلان قتل فلانًا، إذا أمره بأمر كان فيه حتفه، ولكن هذا مع القرينة، لا يقال عند الإطلاق، بل القاتل عند الإطلاق الذي قتله دون الذي أمره.
ثم هذا يُقال لمن أمر غيره، وعمَّار لم يأمره أحد بقتال أصحاب معاوية، بل هو كان من أحرص الناس على قتالهم وأشدهم رغبة في ذلك، وكان حرصه على ذلك أعظم من حرص غيره، وكان هو يحض عليًّا وغيره على قتالهم.
ولهذا لم يذهب أحد من أهل العلم الذين تذكر مقالاتهم إلى هذا التأويل، بل أهل العلم في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: فطائفة ضعفته لما روي عندها بأسانيد ليست ثابتة عندهم، ولكن رواه أهل الصحيح.
(1) هذا الجزء من حديث رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في: 4/ 2197 - 2199 (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها أهل الدنيا أهل الجنة وأهل النار) ونصه فيه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كل مال نحلته عبدًا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ... الحديث وفيه ... وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له، الذين هم فيكم تبعًا لا يبتعون أهلًا ولا مالًا ... الحديث. وذكر مسلم له طريقًا آخر جاء فيه: "وهم فيكم تبعًا لا يبغون أهلًا ولا مالًا".
ومعنى لا زَبْرَ له: أي لا عقل له يزبره ويمنعه مما لا ينبغي.