رواه البخاري كما تقدم من حديث أبي سعيد، ورواه مسلم من غير وجه من حديث الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها، ومن حديث أبي سعيد عن أبي قتادة وغيره.
ومنهم من قال: هذا دليل على أن معاوية وأصحابه بغاة، وأن قتال عليّ لهم قتال أهل العدل لأهل البغي، لكنهم بغاة متأولون لا يُكفرون ولا يُفسقون.
ولمن يقال: ليس في مجرد كونهم بغاة ما يوجب الأمر بقتالهم فإن الله لم يأمر بقتال كل باغ، بل ولا أمر بقتال البغاة ابتداء، ولكن قال: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9، 10] ، فلم يأمر بقتال البغاة ابتداء، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يصلح بينهما، وهذا يتناول ما إذا كانتا باغيتين أو إحداهما باغية.
ثم قال: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} وقوله: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} قد يُقال: المراد به البغي بعد الإصلاح، ولكن هذا خلاف ظاهر القرآن؛ فإن قوله تعالى: {بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} يتناول الطائفتين المقتتلتين، سواء أصلح بينهما أو لم يصلح. كما أن الأمر بالإصلاح يتناول المقتتلتين مطلقًا؛ فليس في القرآن أمر بقتال الباغي ابتداءً لكن أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يُصلح بينهما، وأنه إن بغت إحداهما على الأخرى بعد القتال أن تُقاتل حتى تفيء. وهذا يكون إذا لم تُجب إلى الإصلاح بينهما، وإلا فإذا أجابت إلى الإصلاح بينهما لم تُقاتل، فلو قوتلت ثم فاءت إلى الإصلاح لم تقاتل، لقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} فأمر بعد القتال إلى أن تفيء أن يُصلح بينهما بالعدل وأن يُقسط.
وقتال الفتنة لا يقع فيه هذا، وذلك قد يكون لأن الله لم يأمر بالقتال ابتداء، ولكن أمر إذا اقتتلوا وبغت إحداهما على الأخرى بقتال الفئة الباغية، وقد تكون الطائفة باغية ابتداء، لكن لما بغت أمر بقتالها، وحينئذ لم يكن المقاتل لها قادرًا لعدم الأعوان أو لغير ذلك، وقد يكون عاجزًا ابتداءً عن قتال الفئة الباغية، أو عاجزًا عن قتالٍ تفيء فيه إلى أمر الله، فليس كل من كان قادرًا على القتال كان قادرًا على قتال تفيء فيه إلى أمر الله، وإذا كان عاجزًا عن قتالها حتى تفيء إلى أمر الله، لم يكن مأمورًا بقتالها: لا أمر إيحاب ولا أمر استحباب، ولكن قد يظن أنه قادرًا على ذلك، فتبين له في آخر الأمر أنه لم يكن قادرًا. فهذا من الاجتهاد الذي يُثاب صاحبه على حسن