ولا حاجة إلى هذه الأعذار، بل لم يكن عليّ مع تفرق الناس عليه متمكنًا من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرًّا وبلاء، ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس، لأنهم كانوا عسكرًا، وكان لهم قبائل تغضب لهم، والمباشر منهم للقتل - وإن كان قليلًا - فكان ردؤهم أهل الشوكة، ولولا ذلك لم يتمكنوا.
ولما سار طلحة والزبير إلى البصرة ليقتلوا قتلة عثمان، قام بسبب ذلك حرب قُتل فيها خلق.
ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت عليّ، وصار أميرًا على جميع المسلمين، ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا بقوا، بل رُويَ عنه أنه لما قدم المدينة حاجًا فسمع الصوت في دار عثمان:"يا أمير المؤمنيناه، يا أمير المؤمنايناه"، فقال: ما هذا؟ قالوا: بنت عثمان تندب عثمان، فصرف الناس، ثم ذهب إليها فقال: يا ابنة عم إن الناس قد بذلوا لنا الطاعة على كره، وبذلنا لهم حلمًا على غيظ، فإن رددنا حلمنا ردوا طاعتهم، ولأن تكون بنت أمير المؤمنين خير من أن تكوني واحدة من عرض الناس، فلا أسمعنك بعد اليوم ذكرت عثمان.
فمعاوية رضي الله عنه، الذي يقول المنتصر له: إنه كان مصيبًا في قتال عليّ، لأنه كان طالبًا لقتل قتلة عثمان، لما تمكن وأجمع الناس عليه لم يقتل قتلة عثمان، فإن كان قتلهم واجبًا، وهو مقدور له، كان فعله بدون قتال المسلمين أوْلى من أن يقاتل عليًا وأصحابه لأجل ذلك. ولو قتل معاوية قتلة عثمان لم يقع من الفتنة أكثر مما وقع ليالي صفين. وإن كان معاوية معذورًا في كونه لم يقتل قتلة عثمان إما لعجزه عن ذلك. أو لما يفضي إليه ذلك من الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه. فعليّ أولى أن يكون معذورًا أكثر من معاوية، إذ كانت الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه بقتل القتلة لو سعى في ذلك أشد. ومن قال: إن قتل الخلق الكثير الذين قُتلوا بينه وبين عليّ كان صوابًا منه لأجل قتل قتلة عثمان، فقتل ما هو دون ذلك لأج قتل قتلة عثمان أوْلى أن يكون صوابًا، وهو لم يفعل ذلك لما تولَّى، ولم يقتل قتلة عثمان.
وذلك أن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت. فأما إذا أقبلت فإنها تُزين، ويظن أن فيها خيرًا، فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء، صار ذلك مبينًا لهم مضرتها، وواعظًا لهم أن يعودوا في مثلها، كما أنشد بعضهم:
تسعى بزينتها لكل جهول ... الحرب أول ما تكون فُتَيَّة