وإذا كانت هذه نظرتهم إلى المرأة في الغرب، فإن الشيوعية في شرق أوروبا لم تأتِ بحال أفضل؛ فقد ذهب مفكرو اليسار إلى حتمية انهيار مؤسسة الأسرة، وبالتالي تتحوَّل المرأة إلى مجرَّد"آلة"أو أداة من أدوات الإنتاج، يعاشرها مَن أراد بدون زواج, وبلا تمييز بين زوج أو رجل غريب, فإذا أنجبت انتزعوا منها طفلها ليُربَّى بعيدًا في مؤسسات الدولة الشيوعية, ولا تراه أو تعرفه بعد ذلك أبدًا. فالإنجاب هنا أو ممارسة العلاقات الجنسية يتحرَّر - كما يرى فردريك أنجلز - من أيَّة رابطة كالزواج, ويتحرَّر كذلك من أي شعور أو عاطفة كالحب؛ لأنه مجرَّد وظيفة أو شكل من أشكال الإنتاج في المجتمع!!! ولا تمتلك المرأة عندهم شيئًا من المال شأنها شأن الرجل، فلا ملكية خاصة لأحد، كما أنها مُجْبَرة على أداء أشقِّ الأعمال في المصانع والحقول مع الرجال بلا أجر إلا ما يسدُّ الجوعَ فقط لا غير!! (1) .
وفى دستور الاتحاد السوفيتى الصادر 1977 تأخذ"التعاونيات"مكان الأسرة. وهكذا فإن الشيوعية كانت تستهدف القضاء التامَّ على الزواج والأسرة التقليدية، وفى هذا النظام لا حقوق ولا خصوصية ولا حتى دين أو مشاعر إنسانية للمرأة أو للرجل!! فهي لا تستطيع اختيار الرجل الذي تحبه، ولا يمكنها الامتناع عن ممارسة الجنس مع أي"رفيق"يطلبها، وإلاَّ كان مصيرها الدفن تحت طبقات الجليد في أعماق سيبيريا!! وإذا كانوا لا يعترفون لها بأيَّة مشاعر, ولا حتى حق الاحتفاظ بالأطفال أو البيت أو المال؛ فهل يبقى لها في هذا النظام حقٌّ أو كرامة أو حتى كيان إنساني؟!!
وعن أحوال النساء عند الإغريق يقول ول ديورانت في موسوعته:"كان الزواج عادة يتَّفق عليه والدا الزوجين كما كان يحدث على الدوام في فرنسا القديمة، أو بين خُطَّاب محترفين، وأكبر ما يهتمُّون به فيه البائنات لا الحب؛ فقد كانت ينتظر من والد الفتاة أن يقدِّم لابنته بائنة من المال والثياب والجواهر، ومن العبيد في بعض الأحيان, فإذا لم يكن للبنت مال فنادرًا ما تجد لها زوجًا!!! ومن أجل هذا كان أقاربها يجمعون لها المال إذا عجز الوالد. وبهذه الطريقة انقلب الزواج بالشراء الذي كان كثير الحدوث في أيام هومر، فصارت المرأة في عهد پركلي هي التي تشتري زوجها!! ومن هذا الوضع تشكو"ميديا"في إحدى مسرحيات"يورپديز", فلم يكن اليوناني إذًا يتزوج لأنه يحبُّ، ولا لأنه يرغب في الزواج، فهو كثير التحدُّث عن متاعبه، بل ليحافظ على نفسه وعلى الدولة عن طريق زوجة جاءته بثروة مناسبة. ولقد كان الرجل - رغم المغريات كلها - يتجنب الزواج ما دام يستطيع تجنبه, وكانت حرفية القانون تُحرَّم عليه أن يبقى أعزبَ, ولكن القانون لم يكن يُنفَّذ دائمًا في أيام پركليز, ولما انقضى عهده زاد عدد العُزَّاب حتى صار مشكلة من المشاكل الأساسية في أثينا, حقًّا ما أكثر الأمور التي تدهش الإنسان في بلاد اليونان!"