الصفحة 30 من 678

و يلهث الكثير ممن استهوته الشياطين بالطعن في معاوية - رضي الله عنه -، و إن لم يطعن قلّل من شأنه بأن يسمِّه بأنه من مسلمة الفتح [38] و أنه من الطلقاء إلى غيرها من الأمور. حتى وصل بالبعض منهم إلى أن يتوقف في شأنه و يعرضه على ميزان الجرح و التعديل ناسيًا أو متناسيًا أنه من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و أنّ الأمّة قد أجمعت على تعديلهم دون استثناء و لم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة [39] .

و ذلك لقوله سبحانه و تعالى: { ... لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قَاتَلَ. أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُو مِنْ بَعْدُ وَ قَاتَلُو. وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى. وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [40] ، و الحُسنى: الجنّة. قال ذلك مجاهد و قتادة [41] . و استدل الإمام إبن حزم الأندلسي من هذه الآية بالقطع بأنّ الصحابة جميعًا من أهل الجنة لقوله عز وجل: { و كلًا وعد الله الحسنى } [42] . و عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: «لا تسبو أصحاب محمد، فإن الله قد أمَرَ بالاستغفار لهم، و قد عَلِمَ أنّهم سيقتتلون» [43] .

و أكثر أهل العلم على أن المراد بالفتح هنا فتح مكة. و قيل الحديبية و هو قول ضعيف فيه نظر. و قد ذكر الإمام ابن القيم فتح مكة و أنه «الفتح الأعظم الذي أعزّ الله به دينه و رسوله و جنده و حزبه الأمين، و استنقذ به بلده و بيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار و المشركين، و هو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، و ضربت أطناب عزّه على مناكب الجوزاء، و دخل الناس به في دين الله أفواجًا، و أشرق به وجه الأرض ضياءً و ابتهاجًا، خرج له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتائب الإسلام و جنود الرحمن سنة ثمانٍ لعشرٍ مضَين من رمضان» [44] .

و قد أنزل الله -جلّ و علا- على نبيه - صلى الله عليه وسلم - في منصرفه من الحديبية { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } [45] . فسمّى الله تعالى هذا الصلح فتحًا. و أما الفتح المذكور في سورة الحديد و سورة النصر و قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا هِجرة بعد الفتح» [46] ، فلا ريب أنه فتح مكة. فهو الفتح الأعظم، و هذا أمر واضح. فإن سورة النصر فيها دلالة على قرب وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - -بأبي و أمي هو-. و كذلك اتّفق المؤرِّخون أن آخر المهاجرين هو العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -، و كانت هجرته في ليلة فتح مكّة. و الأدلة كثيرة وافرة.

أما حكم من يسبّ الصحابة ففيه تفصيل. و المتفق عليه إجماعًا أنه فاسق عاصٍ لله. و اختلف حكم العلماء بحسب الصحابي و مرتبته، و كذلك حسب نوع السب. فإن كان مما لا يطعن في دين الصحابي كاتهامه بالبخل و الجُّبن فهذا يُعَزَّر و لا يُقْتَل. أما إن طعن في دينه، فإن لم يستحلّ ذلك كان فاسقًا حكمه كشارب الخمر. و أمّا من جعل ذلك دينًا و جعل لسبّه للصحابة و لعنه إياهم فضيلة، فهذا كافر مرتد حكمه كحكم من يستحلّ شرب الخمر. قال الإمام أحمد رحمه الله: «إذا رأيت رجلًا يذكر أحدًا من الصّحابة بسوءٍ فاتَّهمه على الإسلام» [47] . قال الإمام مالك أيضًا: «الذي يشتم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس له نصيب في الإسلام» [48] .

و قال الإمام مالك رحمه الله عن هؤلاء الذين يسبون الصحابة: «إنّما هؤلاء اقوامٌ أرادو القدح في النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يمكنهم ذلك، فقدحو في أصحابه، حتى يُقال رجل سوء، و لو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحون» [49] . و قال أبو زُرعة الرازي رحمه الله: «فإذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنّه زنديق. و ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندنا حق، و القرآن حق، و إنما أدّى إلينا هذا القرآن و السنة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و إنما يريدون أن يجرحو شهودنا ليبطلو الكتاب و السنة. و الجَّرْحُ بهم أولى و هم زنادقة» [50] .

و قال المفسّر ابن كثير الدمشقي عند قوله سبحانه و تعالى: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله و رضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة و مثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار.. } قال: «و من هذه الآية انتزع الإمام مالك -رحمة الله عليه- في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة -رضي الله عنهم-، قال: لأنهم يغيظونهم، و من غاظ الصحابة -رضي الله عنهم- فهو كافر لهذه الآية» [51] . و قال الإمام القرطبي: «لقد أحسن مالك في مقالته و أصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردَّ على الله رب العالمين و أبطل شرائع المسلمين» [52] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت