ساعدة [1] حيث وقف يومًا في سوق عكاظ فقال: (( يا معشر الناس اجتمعوا فكل من فات فات، وكل شيءٍ آتٍ آت، ليلٌ داج، وسماءٌ ذات أبراج، وبحرٌ عجاج، نجومٌ تزهر، وجبالٌ مرسية، وأنهارٌ مجرية، إن في السماءِ لخبرًا، وإن في الأرضِ لعبرًا، مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا، أقسم قس بالله قسمًا لا ريب فيه، إن لله دينًا هو أرضى من دِينكم هذا ) ) [2] ، وهؤلاء الحنفاء كانوا حريصين أن يصلوا لدين إبراهيم عليه السلام، وكانوا على يقينٍ أن الله تعالى سيبعث من يجدد أمر دين إبراهيم عليه السلام، وكانوا يبحثون عن دينٍ كالإسلام ويبشرون بنبيه ويتمنون لو يدركونه فينصروه ويسلموا معه، وذكر المستشرقون هنا أن دعوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم لم تتعد أفكارها أفكار الحنفاء المذكورين، وهذا في الحقيقة جهلٌ بحقيقة مصدر القرآنِ وهو خلاف الواقع والحقيقة؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منهم ولم يجلس معهم إلا لقاءات عابرة بسيطة، فالقرآن هو كلام الله تعالى الذي أنزله على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهناك بون شاسعٌ بين القرآن وبين ما ذكره هؤلاء الحنفاء في كتبهم في الأسلوب والطرح والفكر والعقيدة، ونحو ذلك من الأمور التي لا يلتقيان فيها إلا في بعض الأمور التي هي بقايا دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكلاهما من مصدر واحد وهو المصدر الإلهي، فمن هذا
(1) قُس بن سَاعدة بن عمرو بن عدي بن مالك من بني إياد، أحد حكماء العرب ومن كبار خطبائهم في الجاهلية، طالت حياته وأدركه النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، توفي نحو 23 ق هـ انظر الأعلام 5/ 196.
(2) انظر: البداية والنهاية 2/ 232، 233.