فلما تهيأ أبرهة لدخول مكة وهيأ فيله الأعظم (محمودًا) وهو مجمع على هدم البيت فكانوا كلما وجهوا الفيل إلى مكة برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى سائر الجهات قام يهرول. ويقال: كان عدد الفيلة في هذه الموقعة ثلاثة عشر فيلًا، وبينما هم كذلك أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طائر ثلاثة أحجار، واحد في منقاره واثنان في رجليه فقذفتهم بها وهي مثل الحمص والعدس لا تصيب أحدًا منهم إلا هلك، وليس كلهم أصابت، ثم أرسل الله تعالى سيلًا فألقاهم في البحر والذي سلم منهم ولى هاربًا مع أبرهة إلى اليمن يبتدر الطريق وأصيب أبرهة بتساقط أعضائه وخرجوا به معهم تتساقط أعضاؤه حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قبله، وقيل: أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، ولما مات أبرهة، ملك مكانه ابنه يكسوم سنة 571م.
ونظرًا لأهمية هذا الحادث صار العرب يؤرخون به؛ إذ لو تغلب أبرهة على قريش وتم له هدم الكعبة لأدخلت الديانة المسيحية مكة وأُرغم العرب على اعتناقها لأن اليمن كانت تابعة لأمراء الحبشة المسيحيين وأُرغم كثير من أهلها سواء من عباد الأصنام أو اليهود على اعتناق المسيحية وكانت قريش تؤرخ السنين بموت قصيّ بن كلاب لجلالة قصيّ، فلما كان عام الفيل أرخت به.
وقد ذكرت حادثة الفيل في القرآن قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} (الفيل: 1 - 5) .