وترتب على ذلك توسيع وتطويل النظر إلى ما تؤول إليه تصرفات الدولة من مصالح ومفاسد إلى مجالات متداخلة أوسع وإلى مدد زمنية أطول لضبط عدم اختلاف المآلات عن المقدمات، وقد نبه الشاطبي إلى اختلاف مآل المصالح والمفاسد عن مقدماتها، فقال:"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل المشروع لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد منه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تُدْفَع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى دفع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد عذب المذاق، محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة" [1] .
لذا فالأنظمة التي تُسنّ وفق تقدير المصالح والمفاسد، و لما فيها من عمق التأثير على غالبية الناس وسعته وطول أمده، لا مناص من النظر الدقيق في مآلها،، فلا بدَّ من الاحتياط من التضييق على الناس بمنع وصولهم لمصالح مشروعة أو إفساد الناس بتيسير السبل للوصول إلى مفاسد ممنوعة.
و لأجل ذلك ومن هذا المنطلق، يأتي الاهتمام بالسياسة الشرعية للخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله - وعلى وجه الخصوص في منهجه في سنّ الأقضية والأنظمة وما يدخل في حكمها وهو محور هذا البحث.
تأصيل المقولة العُمَرية لسنّ الأنظمة:
ولعل من أهم الضوابط الشرعية التي تجدر الإفادة منها للحفاظ على أن يكون في سنّ الأنظمة رفع للحرج عن الناس وتوسعة تكون سببًا لتوفيق الله، هي ما اشتهر وانتشر عند الناس من أثر ينسب للخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز يرحمه الله وهو قوله:
"تُحدَث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور". [2]
(1) الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي (1417هـ) ، الموافقات، الطبعة الأولى، السعودية، الخبر: دار ابن عفان،، 5/ 177 و178.
(2) ممن نقل هذه المقولة: متن الرسالة، أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ) ، بيروت: دار الفكر، ص 132. المقدمات الممهدات، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ) ، بيروت: دار الغرب الإسلامي، الطبعة: الأولى، 1408 هـ - 1988م، 2/ 309. الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ) ، بيروت: عالم الكتب، 4/ 179، الاعتصام، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 790هـ) ، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، السعودية: دار ابن عفان، الطبعة: الأولى، 1412هـ - 1992م، ص55. البحر المحيط في أصول الفقه، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: 794هـ) ، دار الكتبي، الطبعة: الأولى، 1414هـ - 1994م، 1/ 220، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فرحون، برهان الدين اليعمري (المتوفى: 799هـ) ، مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة: الأولى، 1406هـ - 1986م، 2/ 153، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن الحسن بن العربيّ بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفاسي (المتوفى: 1376هـ) ، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى - 1416هـ- 1995م، 1/ 72. والذخيرة للقرافي 12/ 122، وشرح الزرقاني على الموطإ 4/ 44، والتاج والإكليل لابن المواق 6/ 217، والشرح الكبير للدرديري 4/ 174.